بقلم - سامي كمال الدين:

موجعة الجملة التي تتناثر على البياض أمامك، تظنك حاسماً فيها، فإذا بها تتأرجح في حيرة.

هل حقًا مي سكاف أبقى من بشار الأسد..؟!

كيف ومي ماتت في المنفى والأسد باقٍ بطغيانه واستبداده على الأرض السورية ؟!

اعتقلها عام 2011 لمشاركتها في تظاهرة المثقفين ضده، واعتقلها عام 2013 بتهمة المشاركة في تشكيل التنسيقيات، ثم حملها بمضايقاته على الخروج من دمشق عام 2014 إلى الأردن ثم إلى ضاحية في باريس، وما زال متربعاً على حكم سوريا فمن الأبقى؟!

الكلمات تذبل في مواجهة واقع أليم، يبقى الطغاة ويقتل النوارس.. فهل بموت مي سكاف يموت الأمل، أو ينتحر على أبواب الطغاة العرب؟!

إطلاقاً.. موت مي سكاف يوقظ داخلنا الأمل والثقة التي بدأت تذوب مع ذوبان الربيع العربي في مواجهة الثورة المضادة، التي أحيت الطغاة ثانية بعد أن عراهم شباب الوطن العربي، الذين خرجوا في ميادين بلادهم يطالبون بالحرية والعيش والكرامة والعدالة الاجتماعية.

موت مي سكاف يعري أولئك الذين ملأوا سماء الفن العربي شهرة ونجومية، وصنعتهم شعوبهم، فردوا لها الجميل بمساندة كل طاغية وأي طاغية ضد شعبه، فمن عادل إمام إلى دريد لحام، ومن أيمن زيدان إلى محمد صبحي، صنعوا ملاحم في الخيال والإبداع ضد العسكر والاستبداد والظلم، وحين واجه الظلم والعسكر والطغيان شعوبهم على أرض الواقع، فروا فراراً إلى الطاغية يسبّحون بحمده، ويمجّدون قتله لشعبه، ويبررون اعتقاله لنصف الوطن. بينما مي التي أدت دور أم ثائر تتهمه السلطات بأنه إرهابي في مسلسل « الولادة من الخاصرة»، سرعان ما انحازت إلى الثوار منذ بداية الثورة، فأصبحت أيقونتها، عاشت الخيال في الدراما، وحين تحول الخيال لواقع ألقت بجسدها وروحها وشهرتها فداء له.

تذكرت مجد رياض نعسان آغا الذي كان يعيش الحياة المرفهة، يمثل ويغني، وابن وزير الثقافة السوري، تفتح أمامه الأبواب، يشدو في الأوبرا المصرية بأغانيه، ويحضر حفلاته نجوم المجتمع، ترك كل هذا وراء ظهره حتى لا يؤيد هو وأبوه بشار الأسد، رحل وزوجته وأولاده إلى أميركا تاركاً الأضواء والنجومية.

حين التقيته هناك، وجدته يعمل في وظيفة لا تليق به ولا بحياته السابقة، لكنه اختار ألا يكون بوقاً ورفض أن يبيع ضميره وباع مجده وشهرته، حتى لا يؤيد الأسد في قتل شعبه.

جمال سليمان المثقف والفنان الكبير أيضاً اختار القاهرة بعيداً عن الطاغوت الأسد، وأعلن انحيازه إلى الثورة السورية، وقد عرفته في دمشق والقاهرة، ولم يكن بحاجة إلى أن يتخذ هذا الموقف، وهو العلوي القريب من الرئيس وعائلته، لكنه الضمير والانحياز إلى الشعب لا الطاغية.. هناك أيضاً يارا صبري وغسان صليبي ومازن ناطور ومكسيم خليل وجهاد عبده ومحمد آل رشي وعامر سبيعي وسمر كوكش وعشرات غيرهم.

فصيلة مي سكاف لا تنتهي، كيف تنتهي وهي القائلة « «أنا لم أخلق ممثلة، أنا خلقت امرأة حرّة في عائلة حرّة، عائلة فيها سعدالله ونوّس وفايزة شاويش. أنا ابنة عائلة رفضت قدريّة منظومة الحكم الواحد، أنا امرأة تربّت في عائلة تفكّر وتأخذ قرارًا مستقلًا، ولا تكون غنمة في قطيع».

إنها قادمة من سلسال أبي خليل القباني وسعد الله ونوس ونزار قباني ومحمد الماغوط، التي كانت أحق وسلسالها بتقديم أعمالهم في مناصرة الحرية ضد الديكتاتور، من دريد لحام الذي غنى علينا الحرية، وباعها إلى الأسد منذ اللحظة الأولى لقيام الثورة السورية.

قرر الموت لمي سكاف أن ترحل الآن، والأسد باقٍ ويتمدد بالدعم الدولي والصهيوني، ماتت مي بعد تصريح نتنياهو بأن « نظام الأسد لم يستهدفنا برصاصة منذ أربعين عامًا».

ماتت مي في ظل تخاذل عربي للثورة السورية، ودخول الميليشيات لسوريا دعماً للأسد، وليس ضده، ثم خفوتها تماماً بعد ذلك!

قرر الموت لمي سكاف أن يواجهنا.. يكشف صمتنا وتخاذلنا وتخلينا عن الشعب السوري، وضعفنا أمام الثورات المضادة.

ماتت مي لتذكرنا بأن أغلب هؤلاء الذين يمتعوننا بأعمالهم الدرامية في رمضان كل عام، وبأعمالهم السينمائية طوال العام، لم يستطيعوا الخروج من الشاشة، بينما استطاعت مي ورفقتها أن ينزلوا إلى الأرض، أن يلامسوا عرق الثوار، أن تلفحهم ريح الثورة، فيبتسمون بفخر.

ماتت مي سكاف مرفوعة الرأس، بينما غيرها من مثل هؤلاء، ينظرون نظرة اللص ذات اليمين وذات اليسار، قبل صعود سياراتهم أو طائراتهم خشية أن يوقفهم صوت حر ليسألهم لماذا خذلتمونا؟!

ماتت مي سكاف صاحية الضمير، وبقي آلاف من الفنانين العرب على قيد الحياة بلا ضمير.

 

إعلامي مصري

@samykamaleldeen