قطعت 87 كيلومتراً في يوم واحد وعلى ظهرها احتياجاتها الغذائيّة والطبيّة

ترجمة- كريم المالكي: بعد أن تقاعدت من مهنة الخياطة تحوّلت إلى رياضيّة شهيرة في سباقات التّحمُّل، بدأت الرّكض في السّادسة والثلاثين، علّمت نفسها كيفيّة الجري بالصّالة الرّياضيّة المحليّة. لم تكن الجَدّة البريطانيّة، الّتي هي أمٌّ لثلاثة أبناء وعدّة أحفاد، تستطيع ركض 5 دقائق دون مُعاناة، خصوصاً بالتّنفُّس. والآن بعد 15 عاماً من المُشاركات أصبحت ميمي أندرسون صاحبة 3 أرقام قياسيّة إحداها مُسجّل بموسوعة جينيس للأرقام القياسيّة.

كانت دائمة البحث عن طرقٍ لتحدّي نفسها ولا تعرف المُستحيل، ودفعت بنفسها إلى حدود لا يتصوّرها الآخرون وبحثت باستمرار عن مزيد من البيئات القاسية لتركُض فيها. لذا ركضت في كلّ ركن من أركان العالم بما في ذلك الصّحاري الأكثر حرارة في العالم، وأعلى الجبال وفي القطب الشّماليّ المُتجمّد.

الجَدّة العداءة عمرها 55 عاماً، وألهمت آلاف النّاس وجعلتهم يُفكّرون بوراء ما يعتقدون وحفّزتهم على اكتشاف نقاط قوّة جديدة لديهم.

الإيمان بالنّفس

ميمي مثالٌ حيٌّ لمن يُؤمن بنفسه، لذا تفوّقت لتُلهم الآخرين للوصول إلى ما وراء الحُدود التي يضعها الآخرون لهم. وتقول ميمي: في مُنتصف ماراثون ديس سابلز الّذي كانت مسافته 251 كيلومتراً عبر الصحراء الكُبرى وبدرجات حرارة 50 مئوية، كنت على وشك الانهيار بسبب جرثومة المعِدة والجفاف الشّديد، وكلّ عضلة في جسدي تصرخ بي للتوقّف، بينما كنت لا أجد القوّة للمُواصلة لكنّي واصلت.ورغم فظاعة الألم شعرت ميمي بأنّ لديها عزيمة جبّارة على إنهاء السّباق وواصلت تقديم ساقٍ تلوَ الأخرى مع أنّها لم تكنْ عدّاءة. لقد بدأت الرّكض بسنّ السّادسة والثّلاثين وانتظمت قبل ثلاث سنوات من هذا السّباق. وكانت لديها علاقة صعبة بجسدها لسنوات طوال، بسبب فقدان الشّهيّة الّذي بدأ في مُراهقتها، حيث أخذت ترفض الأكل وهي بالخامسة عشرة، وكلما فقدت وزناً، أرادتْ خسارة المزيد.

فقدان الشّهيّة وتجويع النّفس

وتضيف ميمي: ذات يومٍ استدعاني مُدير المدرسة وحذّرني من أنّه إذا لم أبدأ بتناول الطّعام فعليّ مُغادرة المدرسة، فوافقت على بدْء الأكل والعودة لوزن أكثر صحّة، ولكن في أعماقي ما زلت أرى الطّعام كعدو.وبعد أنْ تركت المدرسة تزوّجت وأنجبت ثلاثة أبناء، أعمارُهم حالياً 31عاماً، 30عاماً، و24 عاماً. وخلال فترة الحمْل كانت تأكل جيّداً ولكن بعد الولادة رجعت إلى فقدان الشّهيّة وتجويع النّفس. وعندما أصبحت بعمر الـ 29 عاماً قرّرت التغيير، لأنّها خشيت أن يكبر أطفالها وهم متعودون على فقدان الشّهيّة. وذهبت للمستشفى ووضع الطبيب لها خُطة أكل صارمة ولكنها كانت تكافح لاستهلاك 3000 سعرة حراريّة يومياً كما أوصاها.

أوّل مُشاركة ونجاح

وتقول ميمي: بعد بضعة أشهر قابلت طبيب تنويم إيحائيّ درّبني لأنظر إلى الطعام كوقود. وبعد عدّة جلسات تنويم مغناطيسيّ بدأت بالتّعافي، وتحسّنت مشاعري تجاه الطّعام. وفي السّادسة والثلاثين اقترحت صديقة عليها مُمارسة الجري كوسيلة علاجيّة. وفي تلك المرحلة كانت بالكاد تركض نصف ميل، ولكنّها قرّرت التّجرِبة. وبدأت التدريب بالصّالة الرياضيّة المحليّة رغم أنّ لياقتها كانت صفراً. وهناك التقت سيدتين من الأمّهات دعتاها للانضمام إليهما لركض 16 كيلومتراً.

وتقول ميمي: ركضنا وكنت مُندهشة لمقدار المُتعة، وعندما بلغنا مُنتصف الطريق توقّفنا لتناول وجبة خفيفة، بينما أكلت أنا الموز فقط للحفاظ على مُستويات الطّاقة. وعلى مدى الأشهر القليلة التّالية كنت أركض كلما أُتيحت الفرصة، حتى شاركت بنصف ماراثون. وحينما عبرت خطّ النّهاية وشاهدت زوجي وأبنائي يهتفون لي غمرني شعورٌ ساحقٌ بالفخر، وبدأت أحرص على الاشتراك بأيّ سباق.

251 كيلو متراً عبر الصّحراء

وذات يومٍ في عام 2001، كانت في صالة الألعاب الرياضيّة عندما جاءت صديقتها وفي عينيها نظرة تحدٍّ وحماس. كانت بيدها صفحة من مجلة مُتخصّصة بالجري حول ماراثون ديس سابلز وهو ماراثون يستمرّ لستة أيّام، لقطع 251 كيلو متراً عبر الصّحراء الكُبرى.

وقالت صديقتُها: لقد وجدت سباقَكِ المُقبل، وعلينا أنْ نخوضه. وهنا ضحكت ميمي وكانت على وشك أنْ تخبرها بأنّها فكرة سخيفة، ولكن بعد أنْ أمسكت بالصّفحة بدأت بالتّفكير في هذه المُغامرة المُذهلة وما ستكون عليه. وتقول ميمي: كنت بالكاد أسافر مع زوجي وبدت كأنّها فرصة عظيمة، سأفعل ذلك، وفعلاً دخلت السّباق مع صديقتَين. وكنت أتوقّع أن يعترض زوجي لكنه ساندني  وهو ما أسعدني.

صعوبات ومُتطلبات

الجزء الأكثر صعوبة في سباق التحمّل الملحمّي سيكون اليوم الرّابع عندما كان عليها أنْ تركض 87 كيلومتراً، ما يعني أكثر من ماراثونَين، في يومٍ واحدٍ. والأكثر من ذلك، كان عليها حمْل جميع المُعدّات الغذائيّة والطّبّية الّتي يحتاجونها في حقائب الظّهر أثناء جريهم في الشّمس الحارقة.

وتقول: وفي التّمرينات كنّا في كلّ عطلة نهاية الأسبوع نركض أنا وصديقتي فترات أطول، ونزيد تدريجيّاً الوزن بحقائب الظّهر. ومع تطوّر قوّتنا بدأت أعتقد أنّنا يُمكن أنْ نُنهي الماراثون. وعندما وصلنا للصّحراء كان أصعب ممّا تخيّلت، بسبب الحرارة العالية التي تزداد مع وجود حقيبة الظّهر.

لا للنّظر إلى الخلف

على رأس المصاعب التي واجهتها، إصابتها بجرثومة المعِدة الّتي لم تبقِ أيّ طعام في بطنها. وفي اليوم الثالث أُصيبت بجفاف، وكان عليها أن تحمل أثناء جريها 5 أكياس سوائل. وعندما استيقظت صباح اليوم الرّابع، كان أمامها مسافة 87 كيلو متراً، فبدأت تتساءل عمّا إذا ستستطيع قطعها.

وتقول الجَدّة ميمي: فكرت بما جعلني أشارك في هذا السباق المجنون، ولكن فكرة العودة للوطن وأنا فاشلة جعلتني أواصل. وبدعم من أصدقائي عبرت خطّ النّهاية في اليوم السّادس. وعدت إلى إنجلترا مستنزفة القوى وأعاني من شدّة الألم، ولكني كنت امرأة مُختلفة بالدّاخل، وأخذت أحترم جسمي الّذي حملني حتى عبور خطّ النّهاية.

دائمة البحث عن التّحديات

ومع إكمالها السّباق بدت حريصة على الذّهاب لتحدٍّ آخر. وعلى مدى السّنوات التّالية جاءت بالمرتبة الثّالثة في سباق 161 كيلومتراً عبر جبال الهمالايا، وقطعت 217 كيلومتراً عبر وادي الموت في ولاية نيفادا الأمريكيّة. وقد دفعها نجاحها على المُنافسة بسباق الترا ماراثون، لمسافة 566.49 كيلومتر عبر القطب الشماليّ في غضون 8 أيّام فقط، والذي فازت به، وهو سباق دون توقّف حتى عبور خطّ الدائرة القطبيّة الشّماليّة.

وتقول ميمي: أصبح جسدي أقوى وأكثر لياقة، وأطرافي لم تعد ضعيفة كما كانت من قبل لشخص جوّع نفسه لسنوات، وصرت أثق بجسدي. وبدأت أحاول تسجيل أرقام عالميّة، وأصبحت أسرع امرأة تقطع مسافة البرّ البريطانيّ من لاندز إند إلى جون أوغرواتس، وأسرع شخص يقطع أيرلندا سيراً على الأقدام. ورغم أنّها في الخامسة والخمسين لكنّها لا تفكّر بالتوقّف عن الجري، فهي تريد تحطيم الرّقم القياسيّ العالميّ بالرّكض من لوس إنجليس إلى نيويورك في 53 يوماً، وتتمنّى القيام بالمزيد في المُستقبل. وتختتم ميمي حديثها: لقد أظهر لي الرّكض أنّ جسدي شيء خارق أستطيع من خلاله تحقيق المُستحيل.

عن صحيفة الديلي إكسبريس البريطانيّة