بقلم : توجان فيصل - كاتبة أردنية ..
ما يقومُ بِهِ ترامب مِنْ إجراءاتٍ لتصفيةِ القضيّةِ الفلسطينيّةِ لنْ يُنْتِجَ شيئاً مَا دامَ الشعبُ الفلسطينيُّ رافضاً لهَا. وَلَا توجدُ دولةٌ عربيّةٌ قادرةٌ علَى تنفيذِ هذَا المُخطّطِ لأنَّ الأنظمةَ العربيّةَ المُتواطِئةَ باتتْ غارقةً فِي أزماتِها هِيَ معَ شُعوبِها.

وإزاحةُ ترامب لأهمِّ مكوّناتِ وجودِ وبقاءِ القضيّةِ لِمَا يقاربُ القرنَ مِنْ علَى طاولةِ المفاوضاتِ، ليسَ حلّاً بلْ تعقيداً يؤدِّي لتصعيدٍ. وترامب يَعتبرُ أنّهُ أنجزَ إزاحةَ مكوِّنَينِ لحينِهِ، الأوّلُ هُو قضيةُ القدسِ. وَهُنا يتناسى ترامب أنّها قضيةٌ جذورُها التّاريخيةُ تعودُ لِمَا يقاربُ الخمسةَ عشَرَ قرناً، منذُ أصبحتْ القدسُ القبلةَ الأُولَى للمُسلمينَ. والآيةُ الكريمةُ تقولُ «إلى المسجدِ الأقصَى الّذي باركْنَا حولَهُ»، أيْ ليسَ المسجدُ وحدَهُ، بل مُحيطُهُ كلٌّهُ هُوَ قِبلةُ المُسلمينَ الأُولى. ناهيكَ عنْ كونِ القُدسِ جزءاً منْ أرضِ فلسطينَ التاريخيةِ الّتي باتتْ «مُحتلّةً» حسْبَ القانونِ الدوليِّ والقراراتِ الدوليّةِ.

والقضيةُ الثانيةُ الّتي يريدُ ترامب إزاحتَها عنْ طاولةِ المُفاوضاتِ كَي «تنجحَ» تلكَ المفاوضاتُ هِيَ «قضيةُ اللاجئينَ». وهُوَ يُزيحُها بإعادةِ تسميتِهم بحيثُ لَا يعودُون «لاجئينَ»، وبهذَا لا يحقُّ لهُم العودةُ لبلادِهِم! شيءٌ يُشبِهُ تغييرَ اسمِ أحدِهِم كَي لا يعودَ «ابنَ أبيه».. ولكنْ كيفَ تقنعُ جينات والـ «دي إن أي» خاصتَه بهذَا؟!

وترامب يعتقدُ أنّه يحقّقُ ذلكَ بمجرّدِ إلغاءِ الأونروا الّتي هِيَ نتاجٌ إداريٌّ دوليٌّ لوجودِ لاجئينَ وليسَ مُسبباً ولا مُبرراً لذلكَ الوجودِ، ويحصرُ صفةَ اللاجِئِ (بالضدِّ مِنَ التّعريفاتِ الدوليةِ) بالشّخصِ الّذي جرَى ترحيلُهُ مِنْ فلسطينَ، فلا يتضمّنُ أبناءَه وأحفادَه. والأدْهى أنَّ ترامب لهُ تاريخٌ كارثيٌّ فِي شأنٍ مُماثلٍ يُستعادُ هنا. فقدْ سبقَ أنْ قامَ بنزعِ أطفالِ المهاجرينَ المكسيكيينَ من آبائِهم وأمَّهاتِهم، ووضعِهِم فِي أقفاصٍ، ممّا لا يجرِي حتّى للحيواناتِ!

هذا عَنِ الصُّورةِ الجرميةِ لأداءِ رئيسِ الولاياتِ المُتحدةِ. ويبقى تناقضُ سحبِ صفةِ الفلسطينيِّ الابنِ والحفيدِ معَ موقفِ القانونِ الأمريكيِّ والّذي يعتبرُ مَن أمُّهُ أو أبوه أمريكيّانِ أمريكيّاً، لو كانَ الأبُ/ الأمُّ متجنّسَينِ حديثاً. فكيفَ يُسقِطُ ترامب حقَّ ابنِ الفلسطينيِّ والفلسطينيةِ منذُ قرونٍ بلْ ألفيّاتٍ مُتّصلةٍ، في مُواطنةِ وطنِه؟!

أمريكا لنْ تتعايشَ طويلاً معَ رئيسٍ يخرِقُ أسسَ قيامِ الولاياتِ المتحدةِ. ولكن الأهمَّ أنَّ العالمَ، مُمثلاً بأهمِّ دولِهِ ومنْهم حلفاءُ أمريكا التّاريخيّون في حِلْفِ شماليِّ الأطلسيِّ لا أقلّ، أعلن مُكرِّرَاً رفضَه سياساتِ ترامب. والأكثرُ أهميةً أنَّ هذِهِ الدولَ بدأتْ تعدّلُ مِنْ منظومةِ تحالفاتِها وأسسِ عَلاقاتِها البينيّةِ ومعَ الآخرينَ بإجراءاتٍ لنْ يمحُوَها تغييرُ مَن فِي مقعدِ الرّئاسةِ الأمريكيّةِ، وعودةُ أمريكا لعَلاقاتِها القديمةِ لنْ تضمنَ لهَا ذاتَ المكانةِ السّابقةِ.

فالمكانةُ الأمريكيةُ تحقّقت نتيجةَ ميزاتٍ استغلّتْها أمريكا في الحربَينِ العالميتَينِ، وبخاصةٍ فِي الحربِ الثانيةِ، وهِيَ ميزاتٌ قامتْ علَى ما كانَ يُعتبرُ نقيصةً مِن قبلُ، وهُوَ بعدُها الجغرافيُّ عنْ أُوروبا. فقدْ أمكنَ لأمريكا تطويرَ اقتصادِها وجيشِها وتسليحِها، بينما أوروبا (ومحيطُها) تُدمّرُ، وجيوشُها منهكةٌ على أكثرَ منْ جبهةٍ. وجاءَ تدخُّلُ أمريكا المُتأخِّرُ فِي الحربِ، والّذي خدمتْه الصدْفةُ وتصديقُ الألمانِ لكذبةٍ استخباراتيّةٍ عن مكانِ إنزالِ «تورماندي» الشّهيرِ..وما بعدَ الحربِ حصدتْ أمريكا غنيمتَينِ: مشروعِ إعادةِ إعمارِ أوروبا، وسحبِها الكثيرَ ممّا تبقّى منْ الكفاءاتِ والعقولِ الأوروبيّةِ.

 وكانتْ سحبتْ مِن قبلُ الفارّينَ مِن ظروفِ الحربِ بمَن فيهِم مخترعُ القنبلةِ النوويةِ الألمانيِّ والّذي حققتْ قنبلتُه نصراً غيرَ مشرّفٍ لأمريكا على اليابانِ، وفِي كاملِ الشرقِ الأقصَى. ومنْ بينِ تلكَ الكفاءاتِ - لمنْ لا يعرفُ- روّادُ فنِ السينما الألمانُ، والّذي أصبحتْ صناعتُه منْ أهمِّ أذرعِ السُّلطةِ العالميّةِ النّاعمةِ، ولهذَا قامَ الصهاينةُ بالسيطرةِ مبكّراً علَى صناعةِ السينما الأمريكيّةِ.

الآنَ، يمثلُ قولُ ماكرون أنّ على أوروبا الموحدةِ أنْ لا تعتمدَ على أمريكا في أمنِها، تتويجاً وليسَ بدايةً لانفصالِ وفصلِ أمريكا عمليّاً عن حِلْفِ الناتو رغمَ بقائِها شكليّاً فيهِ. وقد سبقتْ ماكرونَ، لضروراتِ ترتيبِ البيتِ الغربيِّ بعيداً عنْ مُغامراتِ ومقامراتِ أمريكا ترامب (ومِن قبلِهِ بوش الابنُ)، القائدةُ الأوروبيةُ المتميّزةُ أنجيلا ميركل، والّتي أدانتْ أفعالَ ترامب مراراً بدءاً بانسحابِه مِنِ اتّفاقيةِ المُناخِ الدوليّةِ.

وبعدَ أنْ كانَ الاتّحادُ الأوروبيُّ يُواجِهُ خطرَ التفكيكِ أوْ خلخلةِ المفاصلِ، عادَ بقوةٍ ليقيّمَ تحالفاتِه واتّفاقياتِه وصفقاتِ تجارتِهِ، معَ قُوى كُبرى اسْتَعْدَتْها أمريكا ترامب كروسيا والصينِ وتركيا وإيرانَ (الأخيرةُ كانَ لأوباما فضلُ إبرامِ اتفاقيةِ «الخمسة + واحد» معَهَا، ولمْ يجد خروج أمريكا منْها سوى المزيدِ من عزلِها عنْ بقيّة المُوقّعين)..لا بلْ إنّ تهديداتِ ترامب الجنونيةَ لكوريا الشماليّةِ أنتجتْ فرصةً لحلحلةِ عَلاقاتِ الأخيرةِ المتأزمةِ معَ مُحيطِها ومعَ العالمِ كلِّهِ. وعقوباتُ أمريكا التّجاريةُ المتواليةُ علَى الجميعِ يُتوقّعُ أنْ تؤدّي قريباً لزعزعةِ مكانةِ الدولارِ، فيما يتأكّد التوجّه نحوَ إحياءِ «طريقِ الحرير» الشهيرِ تاريخيّاً.

ترامب سيذهبُ قريباً، ولكنْ قدومُ رئيسٍ جديدٍ لنصفِ القارةِ البعيدةِ لنْ يمحوَ الدرسَ الّذي وعتْه أوروبا ومحيطُها الحيويُّ، بل ستتكرّسُ طبيعيّاً السياساتُ والتحالفاتُ والأهمُّ «القناعاتُ» الجديدةُ. وكلُّ ما على الفلسطينيينَ فعلهُ هُوَ الاستمرارُ فِي صمودِهم ومقاومتِهم. وهُوَ ما يفعلونَهُ وسيفعلونَهُ بغضِ النّظرِ عمّنْ ينصحُهم بِهِ أو بغيرِهِ. فهذا الشعبُ «اليتيمُ» اضطُرَ لأنْ يُربي نفسَه وأولادَه وأحفادَه بنفسِهِ.. وأحسنَ تربيتَهم.