بقلم - سلمى مهدي عبد العليم :

تربينا صغارًا على مقولة: (القناعة كنزٌ لا يفنى)، ولكن القناعة في هذا الزمان إلى زوال، حُب المادة والسعي وراءَها في ظل محدودية الظروف وصعوبة الحياة جَعَلَت بعض الناس يتطلعون دائمًا إلى كُل مَكسَب يفوق إمكانياتهم علمياً ومادياً واجتماعياً؛ مُعلِّلين ذلك بأن القناعة تُناقِض الطموح وتحول دونَه، وأن الإنسان سيظل أبداً ودوماً يلهث وراء الفُرص حتى يصل إلى كل ما يطمَح، لكن السؤال الأهم: هل يعبأ بعض هؤلاء الباحثين عن الفرص بمشروعية السُّبل التي تُوصِلهُم إلى ما يطمحون.

القناعة لا تناقض الطموح بل هي سقف مشروعيته، وقناعة الناس بما قسمه الله لهم من الرزق لا تعني أن يكُف الناس عن التطلع إلى ما يُنمي من مهاراتهم ويقودهم إلى النجاح والعلو في درجاتهم العلمية والوظيفية، بل هي رادعهم عن الطمع واحتكار الفرص لهم دون غيرهم، والتسلق على أكتاف الآخرين، واغتنام الفرص بطرق ملتوية دون وجه حق.

إن أولئك الغارقين في حب المادة، لا يعرفون للقناعة سبيلًا، يَغنَمون الفُرَص بقليلٍ أو كثيرٍ من الطمع والجشع، لا تشبع أنفسهم أبداً، ويميلون في كل مساعيهم إلى الأخذ دون عطاء، وإلى الفوز دائماً دون خسارة، وإلى الزيادة مُطلَقًا دون نقصان، وينظرون إلى الآخرين بمنظور الحسد والحقد في صغير الأشياء وكبيرها ما دامت لم تُؤتَ لهم. أولئك ينظرون إلى غنى المادة كأنه مغنَم الدنيا الأوحَد والأقصى، وأن أولئك الذين أوتوا نصيبًا وافِرًا من المال هم المنعَّمون الذين لم يُحرَموا شيئاً قط، ولا يدركون أن أولئك رُبما رُزقوا مالاً وفيرًا إلا أنهم حُرموا الصحة والبركة فكانوا بذلك في درك وشقاء يتمنون لو تُرَد إليهم صحتهم وسلامتهم وإن خَسروا كل ما يملكون. القناعة يا سادة هي سبيل الرضا برزق الله أهلًا ومالًا وصحةً، وهي سبيل الغنى الحَق، غنى النفس وعزها بقناعتها ورضاها وورَعِها وتُقاها لقوله صلى الله عليه وسلم: (وارْضَ بما قسم الله لك تكُن أغنى الناس) - أخرجه الترمذي وأحمد

(ليس الغِنى عن كثرة العرَض، ولكن الغِنى غِنى النفس) - مُتفَقٌ عليه