بقلم / جورج علم - كاتب لبناني :

 

غادر جلال طالباني هذه الفانية ملفوفاً بالعلم الكردستاني، فيما بقي العلم العراقي على ساريته منكساً حداداً. هل هو حداد على الراحل الكبير، أم على المصير الذي آل إليه العراق؟. الجواب عند الروسي والأمريكي اللذين يتخطيان سايكس - بيكو، بتقسيمات جديدة.

رايات الانفصال تحجب قرص الشمس في سماء كاتالونيا، فيما مكابح السلطة تحاول فرملة الاندفاعة باسم القيم الدستوريّة. بات الرغيف عند الجماعة أسمى بكثير من كل القوانين الناطقة بالحقّ والعدالة، ولماذا يفترض بإهراءات كاتالونيا أن تطعم كل جياع إسبانيا؟!.

تتمدّد مساحات الرايات في شرقنا المضطرب، وتتوسّع، وتتعدّد الأشكال، والألوان، لم يعد علم «داعش» وحده رمز السواد، ربما هو في الطريق إلى الانزواء، لكن ماذا عن الأعلام الأخرى، وأيّ سواعد ترفعها تيّاهة في الهواء، ومن يقف وراءها، ويشدّ من أزرها؟، وما هي الأهداف، والغايات، والمرامي؟!.

يهبّ المتضرّرون من المشروع التفتيتي مستنفرين، استعدادات، ومناورات، وسيوف تلمع نصالها، وتشرقط تهديداً ووعيداً بالهجوم على الخصوم ثأراً لشرف الوحدة التي فقدت عذريتها، وقد تتكررّ حروب داحس والغبراء في أكثر من موقع، ومكان، وكيان، لأننا أنسباء أمّة رفضت أن تتعلم من تجارب التاريخ وأخطاء الجغرافيا، لكن إلى متى؟، وإلى أين؟. وهل أن الغيارى على الوحدة قد صنعوا جميلاً، وأبلوا البلاء الحسن، وحققوا التطبيب المجاني، والتعليم المجاني، والسكن، والعمل، والإنماء المتوازن، والاستقرار، والبحبوحة، والعيش الرغيد لشعوبهم، أم أنهم كانوا وما زالوا في طليعة الانتهازييّن، المغامرين، المستغلين للطاقات والإمكانات حرصاً على مصالحهم العُليا. لقد تجرّأ «الغريب»، ودخل إلى صحن الدار، واستباح كلّ شيء، هو يعرف الشعوب، والأنظمة، ويعرف المزاج العام المنفعل والمتوتر، ويعرف أن أنهار الدماء لن تتوقف إلاّ بعد أن تنساب أنهار النفط والغاز نحو المصبّات التي حددها سلفاً، بأمن، وأمان، واستقرار، ورضوخ كلّي للخطط المرسومة، والأهداف الواضحة. يذهب الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى طهران طالباً المساعدة لمنع انتشار عدوى الانفصال من الإقليم الكردستاني إلى العمق التركي، فيجد الرئيس الإيراني حسن روحاني أكثر قلقاً، وانهماكاً بالمواقف الانقلابيّة التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد البرنامج النووي، وما قد يترتب على بلاده من تداعيات خطيرة أمنيّاً واقتصاديّاً. دخل «الغريب» إلى صحن الدار وهو مدرك للأحجام والأوزان، ويعرف أنه بالإمكان أن تمتلك دولة نامية قنبلة نوويّة، ولكن ليس بإمكانها توفير الحماية لها. وإن الشعوب الجائعة، المغلوبة على أمرها، قد تشكّل قاعدة متراصّة لإطلاق صاروخ باليستي في الهواء، ولكنّها تفعل ذلك لمرّة واحدة لأنها تنتسب إلى مجتمع أجوف، أمعاؤه خاوية، ويقتات على الشعارات الثوريّة الرنانة التي تذهب أدراج الرياح، كما تلاويح الرايات !.

يعرف «الغريب» أن ظاهرة كيم جونغ أون لا يمكن أن تتكرّر في الشرق الأوسط. هناك نظام مرصوص، ومجتمع مرصوص، وهنا كيانات مشلّعة، أصيبت بعقدة الدم، ودخلت في صراعات مجنونة من دون أفق، وجاء «داعش» ليكمل مسلسل التحريض، ويطلق صراع الحضارات والثقافات، ويطوي الصفحة التحديثيّة، ليطلق جدليّة متجذّرة حول الطائفة، والمذهب، والمعتقد. هل من تمزيق أعمق، وأعمّ من هذا الحاصل، وقد استبدلت الراية الوطنيّة بالرايات الفئوية المزركشة بألف لون ولون، والطافحة بألف غاية ومأرب حتى التشرذم الأخير.

قد ينتهي دور «داعش»، ربما. لكنه في كل الأحوال قد أدى قسطه للعلى، وتمكن من تغيير وجهة الصراع، كان بركاناً من الانتفاضات التي تطالب بالحريّة، والديموقراطيّة، وحقوق الإنسان، فأصبح مع «داعش» صراعاً على العقيدة، والمذهب؟!. لقد تمكن من تفجير صراع ثقافي خطير يعيد شعوب المنطقة إلى زمن الغزوات، والثارات، في وقت ينظر الرئيس الأمريكي إلى المشهد العراقي لا ليستطلع أحوال مسعود البرزاني، وإقليمه، بل أحوال كركوك ومصير نفطها. يقابله الرئيس الروسي الممعن اهتماماً بالمشهد السوري، ولم يعد همّه معرفة عدد الطلعات من مطار حميميم العسكري، بل عدد التقارير الكانزة التي يعدّها خبراؤه حول جغرافيّة المصالح الروسيّة في المناطق السوريّة على حساب الكيانات المشلعة وحدود سايكس - بيكو التي اجتاحتها الغزوات، وأنهار الدماء.

قد ينقضي زمن «داعش»، أو يكاد، فيما «الدواعش» الجدد يستبيحون المنطقة بغزوات جديدة، وثقافات مختلفة، وقد ظهرت طلائعهم في الأفق وهم يحملون الرايات الخفاقة بألف لون ولون، لتظللّ ألف مأرب ومأرب!.