يقول صاحب هذه القصة:

كنت شاباً أهوى العلاقات مع الفتيات، لا أبالغ إذا قلت لكم إنني صادقت فتيات ونساء من مختلف الجنسيات، كنت أراهن متشابهات، ولم أجد ميزة في واحدة منهن تميزها عن باقي النساء، بل ولم أجد أياً منهن أثارت اهتمامي وأخذت قلبي وسلبت عقلي، وبما أنني شاب حباني الله الجمال والوسامة والبنية القوية أجدني مثار اهتمامهن، والبعض منهن عرضن علي الزواج، لكن لم يكن هذا هدفي، هدفي فقط كان التسلية واللهو معهن، أما الحب والمشاعر لم يكونا موجودين في قاموس قلبي، أصدقائي كانوا يحسدونني على ما أنا عليه، خصوصاً عندما كانوا يرونني محاطاً بالنساء الجميلات، وجميعهن كن سهلات المنال يتمنين إشارة مني، ولكنني لم أخدع أو كذب على أي واحدة منهن، وكنت صريحاً واضحاً مع كلهن بأنني لم أخلق للحب والزواج حتى لا يتعلقن بي ويعانين العذاب، هذا ليس غروراً مني، ولكن هكذا كانت طباعي ومذهبي.

ذات يوم، وفي هذا اليوم الذي لا ينسى، لأنه اليوم الذي غير مذهبي وطباعي ونظرتي واتجاهاتي وتفكيري، وأيضاً حياتي كلها، وجدتها في محل بيع الجولات، لم تكن جميلة، لكنها أيضاً لم تكن قبيحة، لم تكن متبرجة بزينة، لكنها كانت أنيقة وبسيطة، وجهها وبشرتها خالية من المساحيق، وما لفت نظري إليها عيناها الحزينتان، لمست في عينيها ألماً دفيناً تخفيه، وابتسامة باهتة حين تبستم، فضلاً عن هدوئها الجم، توقفت طويلاً أنظر إليها دون أن تنتبه، وحين خرجت من المحل لحقت بها حتى دخلت مطعماً، وجلست ثم جلست أنا قبالتها، وجدتها شاردة الذهن، وكأنها في عالم آخر غير عالمنا، لم تكن كأي فتاة في مثل عمرها مرحة، مقبلة على الحياة، الغريب أنها لم تنتبه لي ولوجودي، ولم تأبه بنظراتي لها حين انتبهت لي وأنا أنظر إليها وابتسم، لم تهتم بي إطلاقاً في حين أرى ابتسامات واسعة ووجوه ضاحكة من فتيات كن موجودات في هذا المطعم ينظرن إلي ويتهامسن بالكلام عني، لم أعرْهن اهتماماً، فمثلهن وعلى شاكلتهن كثيرات ومتشابهات إلا هذه فهي مختلفة عنهن، قلت في نفسي، لا أتركها حتى أعرف لغز هذه الفتاة التي سحرتني عيناها الحزينتان، تبعتها بمجرد خروجها من المطعم ومشيت وراءها حتى وصلت إلى منزلها، وبعد التحري عنها، علمت سر الحزن الذي في عينيها، هذه الفتاة مرت بظروف عصيبة، ومؤلمة، توفي والدها في حادث مروع عندما كانت في السابعة من عمرها، وبعد خمس سنوات على وفاة والدها توفي أخاها لنفس السبب، وبعد رحيله بثلاث سنوات توفيت شقيقتها الصغرى حرقاً، ولم تتحمل أمها هذا الكم من الحزن فماتت كمداً و قهراً، ووجدت هذه الفتاة نفسها وحيدة وهي دون السادسة عشرة، فاحتضنتها خالتها واحتوتها ست سنوات حتى رحلت عن هذه الدنيا إثر مرض عضال، لم تتحمل تلك المسكينة كل هذه المآسي والنكبات، فأصيبت بانهيار نفسي، أخذتها عمتها إلى معالج نفسي، تعافت لكنها لم تتعافَ من الحزن والألم، فظلا قابعين بداخلها وانعكسا على وجهها وعينيها.

لا أعرف شعرت بشعور خفي نحوها لم أشعر به من قبل نحو أي فتاة، قلت في نفسي سوف أتزوجها، وأمسح كل تراكمات الحزن الذي يقبع في أعماقها، وسأجعلها سعيدة، وأغير حياتها إلى الأفضل، وحين عزمت على ذلك، تقدمت لها، لكنها رفضت رفضاً شديداً، فقالت بحزم، لم أخلق للزواج والسعادة، فقدري أن أكون هكذا حزينة، تعيسة ما حييت، اذهب ولا تعد إلى هنا ثانية، فابحث عن فتاة غيري تسعدك وتلبي حاجتك، احترمت رغبتها، ولكني لم أتمكن من إخراجها من تفكيري وقلبي، ولم أنس عينيها الحزينتين الدامعتين.