بقلم / منى عبد الفتاح - كاتبة سودانية :

السيدة فيروز أعمق من هبة صوت، وأعذب من موسيقى نسجها عاصي الرحباني على امتداد حبالها الصوتية التي امتدت لتشمل الأرض والوطن والعصافير. وهذه الثلاثية هي رمزية فقط لمعانٍ في مثل عظمة الحياة والانتماء والحرية. يستوي الذين يتذوّقون أداءها ولحنها وغيرهم، في أنّ الفن في حالة فيروز هو رسالة كونية وإن نثرته بالعربية واللحن الشرقي الهجين، لأنّه ينبع من إنسانة تنساب حساسيتها المرهفة، فيذوب السامعون.

في هذه الأيام من الشقاء المستمر والتي ضاعت فيها عوالم التذوّق والإحساس مع مُدن الطرب غنت فيروز في ترنيمة دينية هادئة للقدس «إلى متى يا رب» في ثوبٍ أسود وطقسٍ حزين وتظهر في الخلفية صورٌ للسيد المسيح عليه السلام، وصورٌ أخرى للمواجهات بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي في قطاع غزة. جاءت هذه الأغنية متزامنة مع جَيَشان المشاعر العربية جرّاء نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وحاجتهم إلى ما يعبّر عنهم بأفضل من البيانات السياسية الباهتة أو إعلان الاستنكار والاستهجان. لم تفارق أذهان العالم وقلوبهم أغنية «زهرة المدائن» التي غنتها فيروز للقدس عقب هزيمة الجيوش العربية في حرب يونيو 1967م. كيف لا وقد كان لظهور فيروز بعد النكبة بعامين أي في 1950م صدىً عميقاً ظلّ يتردّد إلى يوم الناس هذا. فبالإضافة إلى أدائها المتفرّد للقدس فإنّها حملت لواء التغني للإنسان وانحازت لقضاياه بتجرّدٍ تام.

قبل ثلاث سنوات احتفل معجبو فيروز على امتداد العالم العربي بثمانينيتها وما تغيّر من مواقفها شيء. ويمكن أن تستبين هذا في أغنيتها الجديدة، فالصوت بذات البهاء وكأنّ هذه الثمانين عقداً لامعاً من حقيقة وسط ركام الأحداث، وهي أنّ صوت فيروز يظلُّ هو الشيء الوحيد الذي يزداد تألقاً وجمالاً، بينما تذهب الأرض التي نبع منها وامتدادها العربي إلى انحدار ودركٍ سحيق من القُبح.

هذه هي فيروز وكما عودتنا أن تناجي الروح الغائبة فينا، أن تنتشلها من وهد هموم الحياة ومآسيها، يُذكّرنا عمرها المديد أنّ العالم ما زال بخير ما دام هناك من يستمروّن بمخاطبة الوجدان، ويعملون على إنقاذه من كل ما حدث ويحدث. ولها طريقتها في اختراق الروح والتعبير بلساننا وكل حواسنا، وتدرك جيّداً كيف تنعى فينا الزمن المتسارع تهافتاً، بزمنها الخاص الذي يجسّد تفاصيل كل ذرّة منه ويحولها إلى قصة حياة.

هذه الأغنية ذكرتنا أنّنا نحب فيروز وقد كدنا ننسى أنّنا منذ زمان كنا نقتني مجموعتها الكاملة وكل أغانيها على أشرطة الكاسيت، قبل ظهور الأقراص المدمجة وقبل اختصار هذه الثمانين في زرٍّ صغير، وبالرغم من ذلك ظلّت هي هي يشعُّ صوتها من أجهزة التسجيل مثلما يداعب «السي دي» ويتمايل على «اليوتيوب» ومحطتها الفيروزية، لا تنقص من بهائها شيئاً. إلّا أنّه كان لفعل التهيئة بوضع الشريط على جهاز التسجيل والاستماع من غير أن يقطعه خبر تفجير في مكانٍ ما في هذا العالم، أو طنين رسائل وتنبيهات لا تتوقف، من مفعولٍ يجعل الروح أكثر إقبالاً على الحياة.

ومثلما قالت أم كلثوم «ثم أغمض عينيك حتى تراني» ، كنا نغمض أعيننا حتى تتركّز حاسة السمع، فينسحب الصوت الساري ليندمج دماً في العروق مع هذه السيمفونية. هي حالة انجذاب خاصة يندر أن تتأتّى من مغنٍ آخر، لو وضعنا فيروز في خانة «المغنّين» هذه كحلٍّ وسط، نجد أنّها من أبدع من غنى وأطرب وترنّم. أما حالة الانجذاب لإنتاجها على غزارته فهي تعمل بطاقة الاسترجاع لما رشفته الروح، فيتم نثره تلقائياً مع الأنفاس وبها لينشر الحبّ والتسامح والتصالح مع الذات ومع من حولنا وما حولنا.

من «عتاب» و «يا ترى نسينا؟» ، ثمّ الاطمئنان رغم الهجر، «كيفَك إنت» و»يا رايح» ، «شط إسكندرية» ، و «إلى عاصي» وغيرها حتى نصل إلى الرَهق المستمر في «زهرة المدائن» ، والتوحّش من شامٍ مفقودة هي شام سعيد عقل في «خُذني بعينيك» :

طالَتْ نَوَىً وَبَكَى مِن شَـوْقِهِ الوَتَرُ

خُذنِي بِعَينَيكَ وَاغـرُبْ أيُّها القَمَرُ

لم يَبقَ في الليلِ إلا الصّوتُ مُرتَعِشاً

إلّا الحَمَائِمُ، إلا الضَائِـعُ الزَّهَـرُ

لي فيكَ يا بَرَدَى عَهـدٌ أعِيـشُ بِهِ

عُمري، وَيَسـرِقُني مِن حُبّهِ العُمرُ

عَهدٌ كآخرِ يومٍ في الخـريفِ بكى

وصاحِباكَ عليهِ الريـحُ والمَطَـرُ

هنا التّرَاباتُ مِن طِيبٍ ومِن طَرَبٍ

وَأينَ في غَيرِ شامٍ يُطرَبُ الحَجَرُ؟

وهل يكفي هذا المقال لسرد عقودٍ ضوئية بمعناها الحقيقي، اختُزلت في أزيد من الثمانين قليلاً حتى ولو «ربضت على صدر الزمان وأوثقت كلتا يديه، فحار كيف ينالها؟» .

«بعد بكّير» ، على امتداد أعمارنا وبعد أن ذهب الأزهى من الأيام، فيروز حاضرة في الفرح وفي الحزن النبيل، وفي تفاصيل الحياة العادية. وبحجم الأحداث صغيرها وكبيرها يمكن أن يكون صوتها رفيقاً، للتسرية والتطريب والتأمل.