بقلم - أحمد ذيبان:

السياسيون هم أكبر «الكذابين» من بين شرائح المجتمعات، والمفارقة الأكبر أن نفس المواطنين يمكن تكرار خداعهم من قبل نفس الساسة ! خاصة في المجتمعات التي تنتشر فيها ظاهرة النفاق، والولاءات التي تحركها نزعات دينية وطائفية أو جهوية وقبلية، ويمكن وصف الحالة العراقية الممتدة، منذ الغزو الأمريكي عام 2003 وحتى اليوم، ساحة مستباحة للكذابين من الساسة «قادة الأحزاب الطائفية والميليشيات المسلحة» ، المرتبطة إيديولوجيًا وسياسيًا وتمويلاً وتسليحًا بجهات خارجية!

وكانت أكبر «كذبة» استند إليها الغزو، وشارك في ترويجها هؤلاء الذين يحكمون العراق منذ 15 عاما.. «كذبة» امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، التي فتحت طريقًا عريضًا للكذب، الذي ابتلي به العراق من قبل طبقة سياسة فاسدة، تحول شخوصها فجأة إلى مليونيرية !!

وخلال عديد السنوات انشغل الرأي العام العراقي، بما سمي»الحرب على الإرهاب» ، خاصة ضد تنظيم «داعش» ، وتحولت هذه «الفزاعة» ، إلى تجارة رابحة للطبقة الحاكمة! وأصبح شعار هزيمة تنظيم الدولة يتصدر أولوية أجندة الحكومات، رغم أن حكومة المالكي هي التي سلمت عمليًا مدينة الموصل إلى «داعش» ، وكان ذلك مدخلاً لسيطرة التنظيم على عديد المدن والمناطق في شمال ووسط العراق، وترتب على ذلك استباحة السيادة العراقية من قبل عشرات الدول، تحت عنوان «التحالف الدولي» الذي يقاتل داعش، والمفارقة المضحكة أن التنظيمات والميليشيات الطائفية القريبة من إيران، وتحت إشراف الجنرال قاسم سليماني، كانت منخرطة في هذه الحرب تحت حماية الطائرات الأمريكية، رغم «الاشتباك السياسي» بين واشنطن وطهران، والعقوبات الأمريكية على إيران المرتبطة بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي!

لم تكن البصرة «حاضنة» لداعش، بل كانت ضحية للتحريض الطائفي، بحكم أن غالبية سكانها ينتمون للطائفة الشيعية، وقربها من مقر المرجعية في النجف، وكانت الأحزاب والميليشيات الطائفية، تعتبرها «مستودع» أصوات في الانتخابات، التي وضع أسسها وتشريعاتها المبنية على المحاصصة الطائفية والعرقية، الاحتلال ومن قدموا على دباباته!

كعادة الأنظمة الفاسدة في عالمنا العربي، يتم تفسير أي حركة احتجاجية،على نقص الخدمات الأساسية وتفشي الفقر والبطالة، أو مطالبات بالديمقراطية بـ «مؤامرة» خارجية! وهو ما يتردد على ألسنة المسؤولين العراقيين في تعاطيهم مع انتفاضة البصرة! لكن بعد أن انتهت صلاحية فزاعة «داعش» وتم الاحتفاء بالنصر عليها، لا يستطيع «كهنة» السياسة في بغداد المتنعمين بثروات العراق والمسؤولين عن الفساد، وتدمير البلاد وتخريب نسيجها الاجتماعي، اتهام آلاف المحتجين بالانتماء لداعش!

وفي سياق الصراع على السلطة والمناكفات الحزبية والشخصية بين الساسة، فإن الأحزاب والقوى والشخصيات الحاكمة في بغداد تتبادل الاتهامات بالتآمر، ولعب دور خفي في تسخين انتفاضة البصرة، ويتجلى ذلك بخلافات عميقة حول نتائج ونزاهة الانتخابات التي أجريت قبل خمسة أشهر، وعدم الاتفاق على تعريف

«الكتلة الأكبر» المؤهلة لتشكيل حكومة جديدة، وتحويل الملف إلى المحكمة الاتحادية !

لم يخطر ببال هؤلاء الساسة، أن البصرة ستنتفض في وجوههم، وتبدأ منها عملية «تحرير» العراق! وحرق الطبقة السياسية التي أغرقت البلاد بالفساد، بل وحرق مقر القنصلية الايرانية ومقر» الحشد الشعبي»، ومقار بعض الأحزاب والميليشيات الطائفية بالمدينة، بعد أن وصل «المجتمع البصري» إلى قناعة بأن هؤلاء، هم سبب الكارثة التي تعصف بالمدينة والعراق عمومًا، من حيث عدم توفر المياه الصالحة للشرب وانقطاع الكهرباء وتردي الخدمات العامة، ووصول نسبة البطالة في المدينة إلى نحو «60 بالمئة» ، رغم أن البصرة هي المصدر الأساسي للثروة النفطية في العراق، وسكانها يستنشقون الدخان الصادر عن عملية استخراج النفط، وتصديره من خلال شركات دولية تقوم بتشغيل عمالة أجنبية، فيما تذهب العمولات إلى جيوب الفاسدين الذين يحكمون البلد!

كانت البصرة تشكل جبهة أمامية خلال الحرب العراقية الإيرانية، وقدمت الكثير من الضحايا وتعرضت للقصف والتدمير، وكان أبناء البصرة في طليعة المقاتلين، وعلى مقربة من البصرة تقع منطقة «الفاو» ، التي احتلها الإيرانيون وشهدت معركة «حسم» الحرب لصالح العراق، وغرقت أرضها بدماء الشهداء والغزاة ! وبعد هيمنة إيران الكاملة على العراق بفضل الاحتلال الأمريكي، يكتشف «البصريون» الحقيقة ويحرقون قنصلية إيران، ومقار الأحزاب والمليشيات التي ترعاها!

 

كاتب وصحفي أردني

Theban100@gmail.com