الخرطوم - عادل أحمد صديق :

بعينين معصوبتين بخرقة بالية من قماش القطن لكنها سميكة، يظل جمل عصارة زيت السمسم يلف ويدور حول نفسه لمدة قد تزيد على الساعة والنصف دون أن يتعثر، وهو يحرك آلات العصر التقليدية الثقيلة إلى أن يستخلص آخر قطرة زيت من حبات السمسم الصغيرة البيضاء أو الحمراء.

وصناعة عصر زيت السمسم راسخة لها محترفوها وزبائنها، والعمل فيها لا يحتاج أموالا كثيرة، لكنها تحتاج بعض الاستعدادات الفنية المهمة.

الحاج حسن حمد النيل مالك عصارة تقليدية لعصر زيت السمسم، بسوق قندهار الشعبي بطرف مدينة أمدرمان يتحدث عن تجربته قائلا: نشتري حبوب السمسم من شمال كردفان ، والسمسم الأحمر الذي يزرع في نيالا ومناطق دارفور يحتوي على كميات عالية من الزيت، وهو بالتالي اقتصادي في تجارته هذه ولكن لا يتوفر له هذا السمسم لأنه يصدر إلى خارج السودان وأحيانا يكون غاليا لارتفاع تكلفة ترحيله.

وتتكون آليات العصر من جزع مجوف من خشب المهوقني شديد الصلابة ويسمى الأم ويبلغ طوله حوالي 70 سم وعرضه 60 سنتمترا يوضع بداخله السمسم المعد للعصر، ثم عمود من خشب السنط و يقوم بعملية العصر ويتكون من جزئين متلاصقين الأسفل يعصر حبات السمسم والأعلى يوضع عليه ثقل من الحجارة هي التي توفر القوة التي تستخرج الزيت ويربط هذا الجزء في الجمل الذي يحرك كل هذا الثقل بحركته الدائبة ويشغل آليات العصر بصبر بلا حدود دون أن يصدر أية همهمة أو حركة تنم عن التعب أو الضجر، ويسمى هذا العمود بالولد كأنه ابن لذلك الجزع الضخم الذي توضع فيه حبات السمسم ويطلق بالتالي على الزيت المستخرج بهذه الطريقة "زيت الولد"

ويضيف: إن هذا الزيت المستخلص بهذه الكيفية يتصف بخفته ولونه الأصفر الصافي وعدم مرارته وقدرته على البقاء سليما لعامين كاملين دون أن يتغير طعمه ويصير مر المذاق وكذلك عدم فساده.

ويؤكد أن الفرق بينه وبين زيت المعاصر الحديثة أن الأخير يكون ثقيلا ويميل لونه إلى الاخضرار نتيجة لعصر أوراق السمسم مع الحبوب وكذلك بعض الشوائب الأخرى وهي ذات الأوراق والشوائب التي تجعل طعمه مر المذاق وسريع الفساد.

ويؤكد أنهم ينظفون زيت الولد من كل الشوائب وأن أهم ما يميز زيت السمسم وخاصة النقي منه هو كونه علاجا فعالا وشافيا ،إذ وفقا لتجربته الشخصية فإنه يشفي من التهاب الصدر والسعال والكحة وكذلك آلام المفاصل والعظام والملاريا .

ويحكي أن السبب في مزاولته هذه المهنة التي يعمل بها منذ 45 عاما وورثها عن شقيقه الأكبر، أنه أصيب في العام 1970 بالملاريا والسعال ظلا يعاودانه مرارا وتكرارا، وكان الطبيب يعالجه بأدوية مركبة وأخيرا نصحه بشرب زيت السمسم الذي يعصر بواسطة الجمل كل صباح على الريق لمدة شهر وكان فيه الشفاء بإذن الله، وهو ما شجعه على احتراف هذه المهنة التي كان يمارسها أولا في منطقته بشمال كردفان في الأبيض وأم روابة وانتقل بعد ذلك إلى الخرطوم .

صناعة غير مكلفة

صناعة العصارة ليست مكلفة فهي تحتاج فقط إلى شراء جمل سعره ما بين 6-10 آلاف جنيه وبعض المعدات التي قد تكلف 5 آلاف جنيه ومحل بسيط جدا وتستطيع أن تسترد رأس المال في فترة وجيزة أيضا .

وتنتشر هذه الصناعة في مناطق إنتاج السمسم خاصة في القضارف والأبيض والنهود وأم روابة لسهولة الحصول على السمسم و لقلة تكلفة الإنتاج ، وهي صناعة راسخة لها محترفوها وزبائنها الذين يستهلكون منتجها ورغما عن ميزاته هذه إلا أن الطلب على هذا الزيت محدود بسبب استهلاك المواطنين للزيت الذي تنتجه العصارات الحديثة، أو ربما يكون السبب في ذلك هو عدم انتشار محلات بيعه ومعرفة الكثيرين بأماكن صناعته والتي تتطلب وجودا خارج المدن أو أطرافها بسبب الجمل ذي العصابة الصبور.