بقلم - د. خالد التيجاني النور:

عبرة النتائج في أرض الواقع للأداء الاقتصادي المتواضع للدولة السودانية في عهد الحكم الحالي هي التي أوصلت السيد رئيس مجلس الوزراء القومي إلى التصريح أمام المجلس الوطني الأسبوع الماضي بأن «الحالة واقفة»، وأن هناك حاجة لـ»مدرسة اقتصادية جديدة» بعد فشل الوصفات المتتالية التي اتخذتها الحكومة على مدار السنوات الثلاثين الماضية للعبور بالاقتصاد الوطني إلى المكانة التي يستحقها بين الاقتصادات العالمية بحكم الموارد الضخمة التي يتمتع بها، في وقت نجحت العديد من الدول التي لا تملك من ذلك شيئاً لأن تزاحم في ريادة الاقتصادات الجديدة.

يستحق السيد بكري حسن صالح التهنئة على هذه الإفادة القيمة، ولعلها من بين مرات نادرة في العقود الثلاثة الماضية يستمع المواطنون إلى مسؤول رفيع يقول جملة مفيدة يمكن أن يكون لها ما بعدها إذا أخذت بحقها، فقد سئم سواد الناس تصريحات حكومية مستفزة تحاول عبثاً إقناعهم بأن اليوتوبيا التي تتقلب الطبقة الحاكمة في نعيمها هي شأن أهل السودان جميعاً في حين أن أقدار غمار الناس في هبوط ومسغبة وترذل أحوالهم في كل عام لأنه ليس هناك سلطة تستشعر مسؤولية معاناتهم المتفاقمة.

صحيح لم يكن حديث السيّد بكري اكتشافاً جديداً، فهو عين ما يكابده الناس شظفاً ويعايشون مرارته لسنوات عجاف، ولئن تحدث عنه بعض المسؤولين أحياناً فهو حديث للاستهلاك السياسي بلا روح ولا جدية ولا عمل، ذلك أن الإجراءات الحكومية المتعاقبة التي تتخذ في كل مرة تحت مزاعم الإصلاح لا يدفع ثمنها سوى هؤلاء المكتوون بنارها، وتنجو الطبقة الحاكمة من غوائلها لأنها تعيش في أبراج عاجية خارج حزام معاناة العامة. وكنت أشرت في هذه الزاوية ذات مرة أن هناك اقتصادين، اقتصاد المواطن الذي يدفع ثمن الإدارة الحكومية العاجزة للاقتصاد، واقتصاد الحكومة التي تحدثهم عن أرقام نمو الدخل القومي الإجمالي الذي لا يلمسه الناس في واقع حياتهم.

وإفادة السيد رئيس الوزراء ليست اكتشافاً جديداً لأن أصوات العديد من الخبراء والمهتمين بالشأن الاقتصادي قد بحت وقد أنفقوا سنوات طويلة يشخصون الأزمات ويضعون أصابعهم على مواقع الخلل ويقترحون البدائل، لكن لا أحد هناك في الطبقة الحاكمة كان مستعداً ليسمع شيئاً أو لينتصح لأحد، ولذلك تراكمت الأخطاء حتى تحولت إلى خطايا، وتفاقمت الأزمات حتى وصلت إلى حد لم يجد السيد بكري بداً، عن معايشة لصيقة من موقع المسؤولية، من الخروج إلى العلن ليصل إلى التشخيص نفسه الذي طالما حذر الحادبون من وقوعه.

وأهمية حديث السيد بكري أنها المرة الأولى التي يستمع فيها الناس إلى مسؤول رفيع في مقامه ولا يزال في موقع المسؤول التي يقر فيها بالحاجة الملّحة إلى مقاربة جديدة لتغيير نهج وإدارة الاقتصاد السوداني من واقع النتائج الفاشلة، وهذه محمدة نادرة، فقد عهد الناس كبار المسؤولين في الحكومة خاصة أولئك الذين تسنّموا مواقع مهمة للغاية لا سيما في الحقائب الاقتصادية ما أن يغادروا مناصبهم حتى يتحولوا إلى حكماء ناصحين، بل وأيضاً منتقدين للسياسات الحكومية، وما علم الناس لهم سعياً للإصلاح عندما كان في مقدورهم ذلك، بل في الواقع لعبوا أدواراً مؤسفة في تعميق الأزمات، وهو سلوك يكشف بلا شك مدى تدني سقف الاستقامة الأخلاقية لبعض من تولوا مناصب عامة، وما علم الناس أن أحدهم بادر للاستقالة لأنه عجز عن القيام بواجبه.

ودعوة النائب الأول إلى البحث عن «مدرسة اقتصادية جديدة» على حد تعبيره يمكن أن تمثّل نقلة كبيرة في التفكير الحكومي، بمعنى الإقرار بأن الإدارة الحكومية الراهنة للشأن الاقتصادي على مدار الحقبة الماضية وصلت إلى طريق مسدود، وأن هناك حاجة ملّحة للبحث عن طريق جديد، وهي تصلح بلا شك كعنوان عريض للبحث عن مخرج ممكن من المأزق الراهن، ولكن لكي تأخذ هذه الدعوة مداها إلى فتح آفاق جديدة فإن ثمة استحقاقات لا بد من الأخذ بها للتعاطي بجدية مع هذا النمط من التفكير المطلوب بشدة أن يكون خارج الصندوق، وحتى لا تتحول هذه الفرصة السانحة لتصبح مجرد تعليق عابر، تحت ضغط الواقع العاري الذي فشلت كل المساحيق في تجميله، سرعان ما تطويها الأحداث والأيام في عالم النسيان. أو أن تتحول إلى مادة للاستهلاك السياسي والجدل غير المنتج.

كاتب وصحفي سوداني

khalidtigani@gmail.com