بقلم - طه خليفة:

خُلق الإنسان فردا "آدم عليه السلام"، ومنه خُلقت حواء، فردا أيضا، إذاً، حياة البشر على الأرض بدأت بالفردية، ومن ذلك ينشأ النزوع للخصوصية، والتمسك بالهُويّة، أياً كان نوعها.

يُلاحظ أن هذا النزوع موجود بشكل واضح لدى الأقليات الإثنية، أو الدينية، أو الطائفية والمذهبية، أو القومية، أو اللونية، أو اللغوية والثقافية، أو غيرها من مظاهر التنوع في عالم البشر الغني بخصائص فريدة في كل مكان بالعالم.

من الإنسان الفرد، إلى العائلة الصغيرة، ثم الكبيرة، ثم الجماعات البشرية، ثم الشعوب والأمم تشكل العالم على مدار التاريخ، وصار دولاً وممالكَ حتى رسُمت حدود الدول الحديثة بما تضمه غالبيتها العظمى من فسيفساء التنوع، وهذا التطور الديموجرافي لا يمنع الناس من العودة إلى الجذور والأصول والحنين للتاريخ والنشأة الأولى وغلبة الهُويات على الاندماجات، ويتساوى جميع البشر، ومختلف الجماعات الإنسانية في ذلك.

العولمة حولت العالم إلى قرية كونية صغيرة، وأزالت الحدود، وألغت القيود، وقربت البشرية من بعضها عبر ثورة الاتصالات والتكنولوجيا، والعولمة حملت أيضا في داخلها قوة دفع للبشرية للتمسك بهوياتها وخصوصياتها خشية زوالها أو ضياعها في ظل التمازج والتداخل.

يلفت النظر مثلاً أن الفرد في قريته النائية بمصر، ورغم أنه جزء من شعب موحد ومتجانس اجتماعيا ولا تنوع فيه إلا في حدود نادرة جداً، ويعيش في أقدم دولة موحدة في التاريخ، لكن لديه النزوع الفطري للبحث عن جذوره لبناء عالمه الخاص عبر الاحتماء بخيمة العائلة، وهناك من يسعى للبحث عن فروع عائلته داخل مصر، وخارجها أيضاً، هذا الفرد يصر على تشكيل هوية خاصة تميزه داخل المجتمع الأكبر.

والقبيلة من أبرز صور التعبير عن الخصوصية الوراثية والاجتماعية في البلدان سواء المتجانسة مجتمعيا أو المتنوعة، وهي لا تذوب بل تبقى مظلة أساسية لأبنائها داخل الدولة الوطنية الحديثة، والقبائلية ليست عربيًا فقط، بل توجد في مختلف دول العالم، وصدق الله العظيم القائل "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا".

 من هنا يمكن فهم نزوع جماعات بشرية تسكن مناطق وأقاليم معينة داخل دول لها حدود معروفة، ومتفق عليها دولياً، للانفصال وإنشاء دولها وكياناتها المستقلة.

وليس بالضرورة أن تكون خطوة الانفصال صحيحة، أو ذات جدوى، أو ستقود إلى تأسيس دول ناجحة، لكنها حاجة كامنة داخل الفرد الذي يشكل مع أقرانه المتطابقين معه جماعة لها خصائص مشتركة تدفعهم إلى الإعلان عن أنفسهم كمجتمع متجانس، أو كان له يوماً كيان وحضور قديم ثم جرى دمجه في كيان أكبر.

هل يمكن أن يقودنا ذلك لفهم إصرار أكراد العراق على إقامة استفتاء الانفصال يوم 25 سبتمبر الماضي، ورفض الإدارة السياسية لإقليمهم كل مبادرات إلغائه، وعدم الاكتراث بعقوبات الحكومة المركزية في بغداد ودول الجوار؟، إنه الحلم الكردي القومي والعرقي القديم لإنشاء دولة خاصة بهم، رغم أنها ستقوم في محيط من الرفض والحصار، وقد يكون مصيرها الفشل.

وفي إسبانيا الدولة الديمقراطية المتطورة أوروبياً، والمشكّلة من 17 إقليما فيما يشبه مملكة اتحادية، أي تحظى أقاليمها بحكم ذاتي، وتصريف شؤونها، والحكومة المركزية تتولى رسم السياسة العامة والشؤون الخارجية والدفاع، وهي ميزات تجعل كل إقليم كياناً قائماً بذاته ضمن الدولة الكبيرة، ومع ذلك أصر إقليم كتالونيا على إجراء الاستفتاء للانفصال، والعودة إلى مملكة مستقلة قبل أن تضمه إسبانيا بالحرب عام 1714، ورغم الرفض القاطع لحكومة مدريد، والإجراءات الأمنية والمواجهات الدامية لمنع الاستفتاء، إلا أن الكتالونيين تمكنوا من التصويت في المراكز التي استطاعوا الوصول إليها، لن ينفصل الإقليم فهذا أمر صعب، لكن الشعب الكتالوني مرتبط بإرثه وماضيه، ولديه حنين للعودة إلى جذوره وكينونته الخاصة، وهذه النزعة كامنة لدى الباسكيين أيضاً، ولدى أقاليم في دول أوروبية أخرى منها فرنسا وبلجيكا والدنمارك والمملكة المتحدة.

الحل الممكن لمنع تفكك الدولة الوطنية، يقوم على تفعيل حقيقي لمبادئ المواطنة الكاملة، والحكم الديمقراطي، والحريات، وتكريس حقوق الإنسان، والعدالة الشاملة، وعدم حرمان الأقليات والجماعات المتنوعة في المجتمع من حقوقها الثقافية واللغوية، وتأكيد هوياتها وشخصيتها التاريخية المميزة والتي تعتز بها.

هذه المبادئ تساهم بشكل كبير في تمتين كيان الدولة والمجتمع ودفع من يريدون الانسلاخ لتفضيل البقاء في الدولة الأم بدل الخروج منها، ثم الفشل كما حصل في جنوب السودان.

كاتب وصحفي مصري

tmyal66@hotmail.com