عمان - أسعد العزوني:

قال الناشط الاجتماعي والبيئي والسياسي الأردني د.أديب عكروش، إن الأعضاء البشرية كنوز ثمينة تذهب سدى في الأرض بعد موت أصحابها، لافتاً إلى أن التبرع بالأعضاء هو صدقة جارية عند كل الأديان. وأضاف في حوار أجرته معه  الراية ، إنه بادر بالتبرع بأعضاء ولده وليام بعد إصابته برصاصة طائشة في رأسة وتوفي دماغياً عام 1997، موضحاً أن أعضاء ابنه ذهبت لخمسة مرضى مسلمين أحدهم فتاة فلسطينية من القدس.

وإلى نص الحوار:

> حدثنا عن أجواء تبرعك بأعضاء المرحوم ولدكم وليام؟

- في حادث مفاجئ، سببته رصاصة طائشة استقرت في رأس ولدنا المرحوم وليام عام 1997، وبعد إجراء العملية الجراحية اللازمة في المدينة الطبية، أعلمني اللواء الطبيب د.عادل الشريدة، أن لدى ولدنا موتاً دماغياً، وكان قابعاً في مركز الإنعاش.

بعد ذلك سألته عن الموت الدماغي، فأخبرني أنه موت بالمعنى الحقيقي، وأن حياته ستنتهي فور إزالة الأجهزة، وبدون سابق إنذار أو التشاور حتى مع زوجتي، أبلغته برغبتي الجامحة بالتبرع بكافة أعضاء ولدنا وليام، فاصطحبني إلى مكتب مدير المدينة الطبية د.يوسف القسوس الذي شكرني على التبرّع، وسألني لمن أرغب بالتبرع بالأعضاء، فأجبته بدون تردد إنني أتبرع بها للمرضى الأردنيين الذين هم بأمسّ الحاجة لها، بغض النظر عن اللون والعرق والدين والجنس.

كان لدى الخدمات الطبية سجل وطني للمحتاجين، وقاموا بدعوة عدد منهم حسب الدور، وأجروا فحص تطابق الأنسجة، فكانت النتيجة أن قام الطبيب بسام العكشة مع فريقه، بزراعة القلب والرئتين لشابة من غور الصافي، وهذه العملية كانت تجرى للمرة الأولى في الأردن، حيث تمت زراعة القلب والرئتين معاً، في حين تمت زراعة الكليتين واحدة لجندي شاب من عائلة الخريسات في السلط، والثانية لفتاة فلسطينية من عائلة السخن بالقدس المحتلة.

أما القرنيتان فذهبت واحدة إلى أم لأربعة أطفال فقدت نعمة البصر اسمها صباح علي، ولم تتمكن من القيام بدورها كأم في البيت، وقد تمتعت مجدداً بنعمة البصر بعد زراعة القرنية لها وعادت تمارس حياتها كالمعتاد، بينما زرعت القرنية الثانية لضابط شاب في الأمن العام من عشيرة العمري.

> ما الذي دعاك للتبرع بأعضاء ولدك للآخرين ؟

- وجدنا أنا وزوجتي أن الطريقة الوحيدة لإبقاء شيء من ولدنا في الدنيا هو التبرّع بأعضائه، ولم نندم على ذلك حتى بعد مرور نحو عشرين عاماً على التبرع، بل تأكدنا أننا اتخذنا القرار السليم لأن قرارنا منح الحياة لأربعة أردنيين وبنت فلسطينية، وكانوا جلهم من المسلمين.

بعد 6 أشهر من التبرع، قامت مؤسسات المجتمع المدني في الفحيص غرب عمان بإقامة حفل تأبين للمرحوم وليام بحضور المستفيدين من الأعضاء، وجمع غفير من المواطنين، بلغ عددهم 600 شخص، وأجلسنا المستفيدين على المسرح ليتعرّف الجميع عليهم.

 

> كيف تنظر إلى هذه الخطوة؟

- كان ذلك التبرع فاتحة عهد جديد في التوعية بموضوع التبرع بالأعضاء البشرية، وقد دعاني بعد ذلك الأمير فراس بن رعد للاشتراك في جمعية التبرع بالأعضاء التي لا أزال أعمل على التوعية بهذه العملية الإنسانية حتى يومنا هذا، وأنا الآن عضو مجلس إدارة وأمين صندوق الجمعية التي تمارس نشاطاتها التوعوية في هذا المجال على أكمل وجه، ودخلنا عام 2012 في كتاب جينيتس للأرقام القياسية عندما قدنا حملة للتبرع بالأعضاء اسمها "من بعدي حياة"، وحصلنا على 3545 متبرعاً في غضون 8 ساعات من المجتمع الأردني بكافة شرائحه، ونمارس عملنا الإنساني مسترشدين بفتاوى رجال الدين المسلمين والمسيحيين في قضية التبرع بالأعضاء التي أفتوا أنها صدقة جارية عند كل الأديان. كان من نتيجة جهود الجمعية الضغط على وزارة الصحة لاستحداث مديرية خاصة لزراعة الأعضاء في العام 2013 ومركزها مستشفى البشير، وتقوم هذه المديرية بالتنسيق بين وزارة الصحة والخدمات الطبية والقطاع الخاص في مجال زراعة الأعضاء.

> هل صحيح أنك دعوت فتاة من الأغوار للراحة والاستجمام في بيتك بعد زراعة الأعضاء؟

- بعد 45 يوماً من زراعة الأعضاء في جسدها، وجدت تلك الشابة أنها بحاجة للخروج من المستشفى للنقاهة، وكانت تسكن في بيت غير صحي في الأغوار، ولهذا أقترحت على د.بسام الهلسة استضافتها في بيتي، وكان ذلك خلال عطلة عيد الأضحى، وقد أحضرتها للبيت أنا وزوجتي، ونامت في غرفة المرحوم وليام لمدة أسبوع، زارها عدد كبير من الأصدقاء والمعارف، وبعد ذلك غادرت إلى المستشفى لاستكمال العلاج.

> ما رسالتك للمجتمع حول التبرع بالأعضاء البشرية؟

- أتمنى من الجميع ألا يبخلوا بأعضائهم على المحتاجين لها، لأنها تبعث حياة جديدة، وهي كنوز ثمينة تذهب سُدىً في الأرض وتتحلل في التراب بعد شهر من دفن الجثمان.