بقلم - سليم عزوز:

من سرّه أن يرى الانقلابَ العسكريَّ غارقاً في "شبر ماء" فلينظر إلى أزمته من تعديل الدستور، وكيف أنه يُقبل ثم يُدبر، ثم يُعاود الإقبال والإدبار من جديد!

عندما أُجريت الانتخابات البرلمانيّة بعد تردد، قبل ثلاث سنوات، كان النوّاب يُدركون المطلوب منهم، ومن هنا فقد أعلن بعضهم أنهم سيشرعون حالاً في تعديل الدستور، بما يُمكّن شاغل موقع الرئاسة من الصلاحيات التي تُمكّنه من الحكم، وبما يفتح فترة الرئاسة من مدّتين إلى مدد. وبعد هذا ران صمت عميق، قطعه عبد الفتاح السيسي بإعلانه أن الدستور كُتب بنوايا حسنة، فعادوا من جديد يتحدّثون عن تعديل الدستور، وتمّ التحرّك في اتجاهين: الأول جمع توقيعات من النواب على التعديل. والثاني جمع توقيعات من المواطنين يؤكد الرغبة الشعبيّة الملحّة في التعديل.

 وإذا كان النائب الذي تقدّم بالمُقترح قام بجمع التوقيعات المطلوبة دستورياً من أعضاء مجلس النوّاب، فقد كان من الواضح أن هناك إخفاقاً في جمع التأييد اللازم سياسياً من الشعب، ومع ذلك تراجعت الفكرة، وهنا نفى رئيس البرلمان، أن يكون هناك اتجاه جاد للتعديل، مُتعللاً بالنص المانع في الدستور من الاقتراب من النصوص الخاصّة بانتخاب رئيس الجمهورية، ثم فُتح المزاد مرّة أخرى، قبيل الانتخابات الرئاسيّة الماضية في 2018، وقد قطع ترامب قول كل خطيب، بأن نصح السيسي في اتصال هاتفي أن "اعرض عن هذا"، وعليه أعلن النائب صاحب المُقترح، أنه سحب مُقترحه، مُعلناً أنه لا تعديل للدستور خلال هذا العام: 2018!، بالرغم من أنه جمع التوقيعات اللازمة من النوّاب التي تمُهّد لهذا الغرض!

ومع بداية الولاية الثانية لعبد الفتاح السيسي، بدأ التفكير جدياً في التعديل، وتمّ الإعلان أن القوم بصدد جمع 40 مليون توقيع من المواطنين، ثم رفع الخبر من أحد المواقع بعد ساعة من بثّه، وتمّ جمع توقيعات النوّاب من جديد، وبدأ الحديث ودوداً عن تعديل الدستور؛ فأربع سنوات لا تكفي، بحسب عضو البرلمان ووزير الإعلام السابق "أسامة هيكل"، فاته أن مرشحه المُختار، سيكون بانتهاء الولاية الثانية قد أتمّ ثماني سنوات في الحكم، هذا إذا استبعدنا السنة الأولى من الانقلاب التي كان يحكم فيها حكماً حقيقياً، في عهد "المؤقت" عدلي منصور!

وإذ جمع صاحب المقترح من النواب التوقيعات اللازمة للمهمّة فإن الشكل قد استوفى، لكنهم يترددون في الإقدام على هذه الخُطوة، فبدأ الحديث عن أن التعديل لا يشترط فتح مدّة الترشح، فالمطلوب هو مدّ فترة الرئاسة إلى ست سنوات، مع الإبقاء على شرط الدورتين، فلا تنتهي بالتالي ولاية السيسي في 2022، وإنما تمتدّ إلى 2024، وقد يسمح له بدورتين كاملتين جملتها اثنتا عشرة سنة أخرى، إن أُجريت الانتخابات بعد التعديل. مع هذا الالتفاف، فإنهم من الواضح في "حيص بيص"، وكالذي يتخبطه الشيطان من المسّ، وهم هنا يضحكون على الذقون، بالإعلان أنه سيتم الإبقاء على شرط الفترتين، فماذا يُريد السيسي أكثر من اثنتي عشرة سنة أخرى بعدها "يحلها الحلال"؟!

وبات من الواضح، أنهم يخشون من استفزاز الرأي العام، فكان إعلان مُقدّم الاقتراح مُضحكاً، باعتبار شر البلية ما يضحك عندما صرّح بأن التعديل هو من أجل الرئيس القادم، ولا نعرف من هو الرئيس القادم لنطلب منه أن يشكرهم على عواطفهم النبيلة، لولا أن "نبيلة" ماتت في حادث "توك توك"!

في البداية، كان الهدف من تعديل الدستور بجانب توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، ومدّ فترة الرئاسة لأقرب الأجلين: الموت أو التقاعد، هو إلغاء التحصين الخاص بمنصب وزير الدفاع، والخاص كذلك لشيخ الأزهر الذي هو في موقعه بحسب الدساتير الأخيرة في مصر، لأقرب الأجلين أيضاً، فلا تملك سلطة عزله أو إقالته!

لم يعد السيسي بحاجة إلى توسيع صلاحياته، التي ينصّ الدستور على أن توزّع بين الرئيس ورئيس الحكومة، فقد تجاوز هذا النص الدستوري في الواقع، لدرجة أنه اختار الحكومة وعين الوزراء، دون الحصول على موافقة البرلمان كما ينصّ الدستور، وقد صار هذا الإجراء روتينياً لا يُزعجه، وتحوّل الوزراء برئيسهم إلى مجرد "سكرتارية" له، ولا يوجد رئيس حكومة بإمكانه أن يتجاوز حدوده التي يقرّرها له السيسي!

هذا فضلاً عن أنه تجاوز التحصين الخاص بمنصب وزير الدفاع، بعزل الفريق صدقي صبحي، مع أنه مُحصّن في موقعه لمدّة ثماني سنوات، ومبلغ علمي أنه لم يتقيّد بالنص الذي يُعطي المجلس الأعلى للقوات المسلحة سلطة اختيار وزير الدفاع، فلم ينشر في الصحف بما فيها الجريدة الرسمية نصاً لقرار اختيار اللواء محمد زكي وزيراً للدفاع.

ومهما يكن فالتحصين الخاص بهذا المنصب سينتهي قبل نهاية الولاية الثانية لعبد الفتاح السيسي وسيصبح بالتالي لا قيمة لإلغاء النص بواسطة التعديلات!

أما بخصوص منصب شيخ الأزهر، فإن قائد الانقلاب العسكري لديه حساسية من تحصين أي منصب، وبما يغلّ يده هو عن الاختيار والعزل، وهو لا يجد راحته مع الشيخ أحمد الطيب بالإضافة إلى ذلك لأمرين: الأول أنه ليس من اختياره، فقد عينه مبارك في موقعه. والثاني أنه لا يُجاريه في اجتهاداته التي ليست من الدين في شيء، وهو يرى أنه صاحب حق في الاجتهاد، باعتباره من أصحاب الفتوحات وأهل الكرامات والحركات، لاحظ ذكره للآية الكريمة "ففهمناها سليمان"، وإسقاطها على ذاته!

وقد وقف الشيخ الحالي ضدّ اتجاهه بأن يكون الطلاق أمام المأذون، وإذا كان قد أغرى به السفهاء من الأذرع الإعلاميّة، فقد فشل في إخضاعه، وخرج شيخ الأزهر من هذه المعركة مُنتصراً!

السيسي لديه بدائله لتولي منصب شيخ الأزهر تدور حول مستشاره الديني الشيخ "أسامة الأزهري"، والمفتي السابق "علي جمعة"، وكذلك وزير أوقافه "محمد مختار جمعة"، وهؤلاء ليسوا في صلابة "الطيب"، وليس لهم وزنه الديني والشعبي، فهناك مئات الآلاف الذين ينحنون لتقبيل يده قبل توليه منصب شيخ الأزهر على أساس أن مشيخة الطريقة الخلوتية في بيته بالوراثة، ثم أنه سيّد في قومه، ولا يعرف للثلاثي المذكور أي جذور قبليّة.

وباعتقادي أن القوم الآن ليسوا في ترف الصدام مع شيخ الأزهر وهم يفكرون في تعديل الدستور، وبما يستفزّ الرأي العام المسلم عندما يكون الاستفتاء على التعديل بما ينصّ على تحويل شيخ الأزهر إلى موظف لدى الحكومة، وإلغاء ما تبقّى للمنصب من استقلال نسبي، فهذا ما يُعزّز من الإقدام على التصويت برفض التعديلات، وهم في حلٍّ من ذلك الآن!

السيسي يدخل معركة تعديل الدستور على قاعدة "قاتل أو مقتول"، لكن الإشكاليّة في أن هذا يحتاج في البداية إلى موافقة صريحة أو ضمنيّة من الرئيس الأمريكي، الذي يبدو إلى الآن ليس مُتحمساً لذلك، وأمامه انتخابات الكونجرس، وعندما ينتهي ستبدأ حملته الانتخابيّة لدورة جديدة، تجرى في 2020، والملف المصري، من أكثر الملفات سبباً في الهجوم عليه من قبل مُنافسيه، فإن فاز حزبه بالأغلبيّة، فقد يكون هذا مؤشراً لإعطاء الموافقة صراحة أو بغضّ الطرف، وإلا فقد يطلب من حليفه أن ينتظر إلى ما بعد انتخابات 2020!

وفي هذا العام (2020) ستكون مصر على موعد مع الانتخابات البرلمانيّة، وتعديل الدستور يلزمه بعد تمريره من مجلس النواب بموافقة الثلثين، أن يُعرض على الاستفتاء الشعبي. لاحظ أن الانتخابات الرئاسيّة الجديدة ستبدأ إجراءاتها الفعليّة مع بداية سنة (2022)!

أعلم أن هناك من تجري الهزيمة واليأس في عروقهم مجرى الدم، وهؤلاء من رأيهم أن تعديل الدستور أمره بين الكاف والنون، فالشعب مات، والسيسي سيطر، وهؤلاء لا أكتب لهم ولا أكترث بهم، فلست مُتخصصاً في علاج الاكتئاب، ومداواة المرضى النفسيين!

فهناك أزمة حقيقيّة يعيشها السيسي، وهي كاشفة عن أن حكمه لم يستقرّ إلى الآن فهو على جُرفٍ هارٍ. لا يغرنّك البطش بالمُعارضين الذي ازدادت حدّته في الآونة الأخيرة.

إنه التعبير العنيف عن مُنتهى الضعف!

 

كاتب وصحفي مصري