• المستشارة لن تهرول إلى طهران كما فعل ساسة فرنسا وإيطاليا
  • لعاب الشركات الألمانية يسيل على مليارات إيران وتضغط لنيل نصيبها
  • ميركل ألحّت على الرئيس جاوك عدم توجيه دعوة إلى روحاني
  • المستشارية تريد أن تقدّم طهران الدليل على تغيير سياستها أولاً
  • برلين تتأنى حتى تعرف ماذا ستفعل إيران بالمليارات التي ستستعيدها
  • ألمانيا ملتزمة بالموقف الإسرائيلي تجاه إيران وتتشاور معها باستمرار

برلين - الراية:

قبل أن تحط طائرة إيرباص التابعة لسلاح الجو الألماني (لوفت فافه) في أرض مطار طهران الدولي، انزوى فرانك فالتر شتاينماير، وزير الخارجية الألماني مع عدد من كبار رجال الأعمال الألمان الذين رافقوه في زيارته مؤخراً إلى طهران والرياض، وقال أحد رجال الأعمال: قلنا للوزير بالتحديد ما نأمله من هذه الزيارة، وهو أن يوجّه دعوة إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني لزيارة ألمانيا في أقرب وقت ممكن.

هذا الطلب لم يكن سهلاً ليحصلوا على إجابة عاجلة من المسؤول الألماني، لأنه يعلم أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لن يسعدها إذا نفذ رغبة رجال الأعمال الألمان ووجّه دعوة إلى الرئيس الإيراني لزيارة برلين. وقالت ميركل: إنها لن تشارك في الهرولة إلى طهران مثلما فعل سياسيون أوروبيون مثل وزيري خارجية فرنسا وإيطاليا، اللذين حصلت شركات من بلديهما على مشاريع تقدّر بمليارات الدولارات سوف يُصار إلى تنفيذها فور رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران.

ولو كان الأمر بيد الاشتراكيين الألمان، لكانوا أول من دعا الرئيس الإيراني لزيارة برلين، بعد الاتفاق النووي وحصول انفراج في علاقات إيران مع الغرب. ويؤيد زيجمار جابرييل، نائب المستشارة وزير الاقتصاد والطاقة ورئيس الحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني، دعوة روحاني، وعينه على الانتخابات العامة في ألمانيا المقرّرة في عام 2017، حيث يأمل بتأييد الاقتصاد الألماني له عندما ينافس ميركل على المستشارية.

وكان أقصى ما قام به وزير الخارجية الألماني عندما التقى روحاني في طهران، أنه ألح عليه بأن يضع ألمانيا في الحسبان في أول زيارة قادمة يقوم بها إلى أوروبا.

المؤكد أن السفارة الإيرانية في برلين، أطلعت وزارة الخارجية الإيرانية على الجدل الذي دار في برلين، بعد زيارته مؤخراً إلى روما وباريس، وتجاهله زيارة برلين، على الرغم من دور ألمانيا في التوصّل إلى الاتفاق النووي في الصيف الماضي.

وحسب التقليد، ليس بوسع وزير الخارجية الألماني توجيه دعوة رسمية إلى رئيس دولة دون أن يكون قد تم تكليفه من قبل المستشارة أو رئيس الجمهورية الألماني.

وهذا لم يحصل لأن ميركل تعتقد أنه من الباكر دعوة روحاني إلى برلين، وألحّت على رئيس الجمهورية الألماني يواخيم جاوك، عدم توجيه دعوة إلى روحاني. لكن بعض الأوساط الدبلوماسية والإعلامية في برلين، بدأت تتحدّث عن خلاف بين أقطاب الائتلاف الحاكم حول دعوة روحاني بينما الاقتصاد الألماني يلح على الحكومة الألمانية كي توجه له دعوة.

فقد راقبت الشركات الألمانية بقلق زيارة روحاني إلى روما وباريس، وأخذت علماً بالعقود التي أبرمها هناك، والتي ستدر مليارات الدولارات على شركات إيطالية وفرنسية، وبرأيها يتم ذلك على حساب الشركات الألمانية، التي تعتمد على دعم سياسي من حكومة ميركل لكن لا تجده.

ومن يبحث عن الأسباب، يجد إسرائيل ضالعة في القضية.

فعندما زار نائب المستشارة الألمانية، طهران بعد وقت قصير على إبرام الاتفاق النووي، تعرّض إلى انتقادات قوية من واشنطن وتل أبيب، حيث اعتبرتا الزيارة خطوة مبكرة، لكن الواضح أن الشركات الألمانية، كانت تنتظر الاتفاق النووي بفارغ الصبر، كي تسعى لإحياء علاقاتها التقليدية مع إيران.

لكن ميركل، فرملت نائبها والشركات الألمانية، بقرارها رفض دعوة روحاني إلى برلين، وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين. واستناداً لمجلة دير شبيجل الألمانية، تعمّدت ميركل تجاهل روحاني في سبتمبر الماضي عندما شاركا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال مقرّبون من ميركل إنها تريد أن تقدّم طهران الدليل على تغيير سياستها، مثل وقف انتهاكات حقوق الإنسان، والتخلي عن دعم المنظمات الإرهابية، والتراجع عن دورها في تأييد النزاعات المسلحة في سوريا واليمن. كما تريد برلين معرفة ماذا ستفعله إيران بالمليارات الطائلة التي ستستعيدها بعد رفع العقوبات؟.

وكشفت المجلة الألمانية أن ميركل تتشاور باستمرار مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما يتعلق بالتعامل مع إيران، وأنها ملتزمة بالموقف الإسرائيلي منها.

ولهذا السبب تعتقد ميركل أنه من السابق لأوانه دعوة روحاني إلى برلين، حتى لا تتسبّب بتوتر في علاقات بلادها مع إسرائيل، غير عابئة بالعواقب السياسية.

وقالت أوساط في الحزب الاشتراكي الألماني إن هدف شتاينماير في ترطيب العلاقات مع طهران ورغبته بدعوة روحاني لزيارة برلين، ليس لحصول الشركات الألمانية على عقود طائلة، ومليارات بعد رفع العقوبات عن إيران، وإنما لأنه يُدرك أن إيران لاعب سياسي مهم في حل الأزمتين السورية واليمنية بالإضافة إلى أن لاجئين أفغان يعبرون الأراضي الإيرانية في طريقهم إلى أوروبا وتشكّل ألمانيا هدفهم الرئيسي، حيث تتفاوض برلين منذ أسابيع مع الحكومة الأفغانية، للحصول على موافقتها لإعادة اللاجئين الأفغان الذين ترفض المحاكم الألمانية طلبهم باللجوء إلى ألمانيا، كما تأمل بأن توصد إيران حدودها في وجه اللاجئين الأفغان.

غير أن ميركل مهتمة بمصالح إسرائيل أكثر من اهتمامها بمصالح بلادها، وحسب ما ذكرته مجلة دير شبيجل في عددها الأخير، لا تريد ميركل التصرّف إلا إذا حصل تحوّل حقيقي في السياسات الإيرانية وإذا غيّرت موقفها من إسرائيل واعترفت بها. فعندما ألقت ميركل كلمة أمام الكنيسيت الإسرائيلي في مارس 2008، قالت إن أمن إسرائيل من مفاهيم الدولة الألمانية، ووجّهت انتقادات لإيران لأن نظامها يستغل كل مناسبة للتشكيك بوجود إسرائيل. وأوضح روديريش كيزيفيتر، خبير السياسة الخارجية في الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه ميركل، أن اعتراف طهران بحق إسرائيل في الوجود، من أهم شروط دعوته لزيارة برلين.

وخلافاً لموقف ميركل وقادة حزبها، يعتقد الاشتراكيون الألمان أنه من الخطأ تبني الموقف الإسرائيلي، وقال هوبرتوس هايل، نائب رئيس المجموعة البرلمانية للحزب الاشتراكي في البوندستاج: عندما يستطيع روحاني السفر إلى دافوس في سويسرا، بوسعه أن يعرج على برلين. وأضاف أن مدّ الأيدي لمصافحة روحاني، يساعد الاقتصاد الإيراني والقوى المعتدلة في إيران، ومن الخطأ رفض معاملته كرئيس دولة، الأمر الذي سيثير نقمة الشعب الإيراني وسيقوي القوى المتشدّدة في إيران.

وحسب تقرير دير شبيجل يسود الغضب في أوساط رؤساء مجالس الإدارة في الشركات الألمانية الكبرى، بسبب نهج ميركل، وقيامها بعرقلة بدء صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، خاصة أن ألمانيا لها علاقات تقليدية مع إيران، ولم تغلق مكاتب بعض الشركات الألمانية هناك أبوابها خلال مرحلة العقوبات مثل شركة إيرباص التي حصلت على عقد بشراء 118 طائرة ركاب بعد تدخل الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند لإبرام العقد، وشركة سيمينز، التي يلعب رئيسها جو كيزر دوراً بارزاً وراء الكواليس لإحياء العلاقات التقليدية بين البلدين، ويحث نائب المستشارة على دعوة روحاني لزيارة برلين.

ويعتقد توم أندرز، رئيس مجلس إدارة شركة إيرباص أن الاقتصاد الأوروبي والسياسة الأوروبية سوف يستفيدان من الإصلاحات في إيران، وقال: إنه التقى روحاني في باريس، وأن اللقاء تم بالتنسيق مع الحكومة الألمانية ولكن ليس مع ميركل وإنما مع وزير الخارجية شتاينماير. فقد أدرك رئيس شركة إيرباص أنه بما يتعلق بإيران، ليس مجدياً التحدّث مع ميركل، وقال: إنه يأمل بأن يحصل روحاني في القريب على دعوة لزيارة ألمانيا، وهو يأمل بأن تنجح مساعي جابرييل وشتاينماير في التغلب على موقف ميركل.