بقلم - جهاد فاضل: في يونيه سنة ١٩٦٢ نشرت مجلة «لايف» الأمريكية تحقيقاً عن أم كلثوم كوكب الشرق ورد فيه ما يلي:

«في الساعة العاشرة من ليلة أول خميس في الشهر يحدث شيء غريب في الشرق الأوسط: يبدأ الضجيج في شوارع القاهرة فجأة. في الدار البيضاء التي تبعد ٢٥٠٠ ميل إلى الغرب، يكفّ الشيوخ عن لعب الطاولة في المقاهي. وفي بغداد التي تبعد ٨٠٠ ميل إلى الشرق يحدث نفس الشيء. الكل أذهانهم مشغولة بشيء آخر. وبين هذين الحّدين الجغرافيين على طول الصحراء وعرضها، يأوي آخرون إلى خيامهم. الكل ينتظرون برنامجاً معيناً يذيعه راديو القاهرة مدة هذا البرنامج خمس ساعات، يذاع ثماني مرات في السنة ونجمته مطربة اسمها أم كلثوم» .

وأضاف كاتب التحقيق، واسمه جوردون جاسكيل، أن هناك في الشرق الأوسط شيئين لا يتغّيران هما صوت أم كلثوم والأهرام، فهما لا يتعرّضان لأي تغيير في مركزهما وقيمتهما واهتمام الناس بهما.

ولم يكن الصحفي الأمريكي يبالغ فيما كتب. فقد كان العرب جميعاً من الخليج إلى المحيط يتحلقون حول الراديو في مساء الخميس الأول كل شهر يستمعوا إلى هذه المطربة العظيمة التي كانت في واقع أمرها تجسّد معاني الوحدة بين العرب وتؤلف بين قلوبهم، وقد لا نبالغ إذا وصفناها بأنها أعظم مطربة عربية في التاريخ على الإطلاق. فلا العرب في أيامهم القديمة عرفوا مثلها، ولا العرب المعاصرون أيضاً على كثرة ما عرفوا من المغنين والمغنيات.

خرجت أم كلثوم من الريف المصري ولم تأتِ إلى القاهرة لتقيم فيها مملكتها الفنية إلا بعد أن قاربت العشرين من عمرها. وقد ذكرت أم كلثوم مرة وهي تتحدث عن قريتها الصغيرة «طماي الزهايرة» : «كنا نعيش في قريتنا التابعة لمركز السنبلاوين، وهي قرية متواضعة أعلى بيت فيها لا يزيد على طابقين، وأكثر مظهر للثراء فيها عربة حنطور يركبها العمدة وبضعة طرق ضيقة أخرى تتسع لمرور الخفراء وشيخهم وكنت أغنّي في القرى المجاورة، وكانت كلها قرى صغيرة وكنت أحسب أن مركز السنبلاوين هو أكبر مدينة في الدنيا» !.

على أن صلة أم كلثوم بالريف المصري وبالفلاحين المصريين ليست محدودة بمجرد الميلاد، ولا لأنها غنّت في عدد من القرى هنا أو هناك. لقد عرفت أم كلثوم ريف مصر كله، وعرفت كل شيء عنه قبل أن تخطو بأقدامها إلى القاهرة.

ولم تتعلم أم كلثوم في مدرسة ولا في جامعة، بل تعلمت في الحواري والأزقة والأجران، وتتلمذت على الذوق المصري العربي في أبسط صوره وأصدقها.

وجاءت أم كلثوم إلى القاهرة أول مرة لتغني في بيت عز الدين يكن بك بحلوان وكانت ما تزال صغيرة نسبياً: وعندما رأها «البك» استهان بها ولم يقتنع بمظهرها، ولا بأن هذه الفتاة الصغيرة قادرة على الغناء «فركنها» في البدروم، واستعان بالشيخ إسماعيل سكر ليحيي له حفلته. وفي آخر الحفلة نادى أم كلثوم ليجرّبها، فإذا بأم كلثوم تهزّ الحاضرين بصوتها. وعلى رأس الذين اهتزّوا الشيخ إسماعيل سكر نفسه الذي أخذ يشجعها ويدعوها إلى الإعادة والتكرار.

بعد ذلك جاءت أم كلثوم إلى القاهرة سنة ١٩٢٣ لتقيم وتستقر فيها. وفيها تعرّفت إلى أسرة عبدالرازق التي لمع منها الشيخان مصطفى عبدالرازق وعلي عبدالرازق، وتأثرت بما كانت تمثله هذه الأسرة من جمع بين الشرق والغرب في كيان واحد، هو المحافظة على القديم وتقبل الجديد في نفس الوقت، وهو المزج الأصيل الصادق بين العمامة والقبعة.

وإذا لم تكن قد درست في مدرسة، فقد كوّنت ثقافتها بالجهد والمتابعة.

لقد قرأت مع أحمد رامي عدداً كبيراً من أمهات الكتب العربية القديمة والحديثة.

قرأت معه «الأغاني» و «مختارات البارودي» و«ديوان شوقي». وقرأت لكثير من الشعراء العرب الأقدمين.

وقد ذكر محمد عبدالوهاب مرة: «إن من مظاهر إخلاصها ما يراه المستمع فيها. إنه لا يرى مطربة تغنّي، بل فنانة تتعب، وتعرق، وتعطي كل ما عندها للمستمع دون أن تضنّ عليه. إنها تعطيه دموعها وأنفاسها وليس صوتها فقط» .

والواقع أن كل من شاهد أم كلثوم وهي تغني، أدرك تماماً صدق هذه الكلمات التي قالها عبدالوهاب.

وقد قدّمت الكثير فارتفعت بمستوى الأغنية العربية عندما اهتمت إلى أقصى حدّ باختيار كلماتها. وحاولت باستمرار أن تختار نصوصا لها جمالها وقيمتها سواء في الأدب الحديث أو القديم. كل ذلك بالإضافة إلى دقة أدائها ووضوح الكلمات والحروف في صوتها حتى لقد قال عنها رامي:

«إذا أردتَ أن تكون شاعراً فاقرأ الجيد من الشعر العربي والعالمي، وأكثر من الاستماع إلى أم كلثوم، وذلك لأن أم كلثوم تجلو الألفاظ فتجعلها واضحة مشحونة بالعاطفة، وتخلق لدى من يسمعها في نهم إحساسا عميقاً بالكلمة والنغم وعذوبة الأداء» .

وقد غّنت أم كلثوم بالعربية الفصحى كما غنّت بالعامية، والكثير من أغانيها العامية قريب من العربية الفصحى، فعندما تغٌني:

فضلت أعيش في قلوب الناس

وكل عاشق قلبي معاه

شربوا الهوى وفاتولي الكاس

من غير نديم أشرب ويّاه..

ندرك تماماً أن هذه الكلمات قريبة جداً إلى العربية الفصحى، كما هي قريبة إلى رسالة أم كلثوم بالذات.

غنّت أم كلثوم ١٣٧ أغنية من نظم الشاعر أحمد رامي من أصل ٢٨٣ أغنية غنتها على مدار حياتها. والأغنيات التي وضعها رامي تؤلف في الواقع حكاية حب روحي أو عذري ربطته بها، أو ربطتهما معاً. وقد شككك البعض في قصة الحب هذه وقالوا إن رامي كان يحبها حباً خيالياً مصطنعاً لكي يساعده ذلك على أن يكتب القصائد. وقال آخرون إنه لو كان هناك حب بين رامي وأم كلثوم فلماذا لم يتزوجا، وقد التقيا وهما في عز الشباب سنة ١٩٢٤، وكانت أم كلثوم في السادسة والعشرين وكان رامي في الثانية والثلاثين.

وتذهب أحدث التحليلات إلى أن الحب بين رامي وأم كلثوم كان حقيقة، ولكن الزواج بينهما كان مستحيلاً. وهناك كلمة للناقد الكبير محمد مندور تقول إن قصة رامي وأم كلثوم وما قاله فيها من شعر فريد في تاريخ الآداب هي قصة نحسبها أقرب إلى الأساطير منها إلى تجارب الحياة.

ويذهب ناقد كبير آخر هو رجاء النقاش إلى القول بأن أم كلثوم هي التي كانت «تدير» قصة الحب العجيبة بينها وبين رامي، وقد أدركت بعبقريتها منذ البداية أن رامي نبع صاف من الفن الرقيق العذب، وأدركت أن اشتعال عواطفه هو المحرّك الأساسي لفنه. وقد حرصت أم كلثوم على أن يبقى رامي في حياتها شاعراً عاشقاً يغني ويبدع ويفرح ويتألم ويعاني كل مشاعر الحب القوية الدافئة، ولا ينتصْر على آلامه العاطفية إلا بتحويلها إلى أغان رائعة، أي إلى ألحان وأنغام. أما إذا انتقل رامي من موقع العاشق إلى موقع الزوج، فهذا يعني توقفه عن كتابة أغانيه، لأن الزواج يجعل الحب قصة خاصة باثنين لا حق لأحد أن يعرف شيئاً عن أسرارها، وبذلك يتوقف نبع الفن في قلب العاشق عندما تصل قصته إلى الاكتمال والنجاح، فيسعد بها وحده دون سائر الناس.

وإذا كانت أم كلثوم لم تتزوج رامي، فقد تزوجت سواه، ومن هذا السوى الصحفي المصري مصطفى أمين أحد صاحبي «أخبار اليوم».

وقد نشرت «الأهرام» في ٢٨ يناير سنة ٢٠٠٠ تحقيقاً موسعاً حول شخصية أم كلثوم، وردت فيه عبارة على لسان سمير خالد إبراهيم ابن الشيخ خالد شقيق أم كلثوم، هي التالية: «لقد نشأت مع أم كلثوم، عمتي، في بيتها بالزمالك، وأذكر أن والدي وافق على زواجها من أحد كبار الصحفيين، وقد تزوجته لمدة عشر سنوات» ، وإذا كان ابن شقيق أم كلثوم لم يذكر اسم هذا الصحفي، فقد تأكد لاحقاً أنه مصطفى أمين لا سواه.

وذكر أحد وزراء عبدالناصر مرة أنه وقعت في يده أوراق خاصة بمصطفى أمين زمن اضطهاده في عهد عبدالناصر، منها عقد زواج رسمي وليس عرفياً بين مصطفى أمين وأم كلثوم، كما وجد مجموعة من رسائل أم كلثوم إلى مصطفى أمين تخاطبه فيها بقولها: «زوجي العزيز». وقد ذكر هذا الوزير لصديق له: «لقد حملت هذه الأوراق على الفور وقدّمتها كما هي إلى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، فأمسك بها ونظر إليها وابتسم دون أن يعّلق بشيء، ثم وضعها في جيبه، ومن يومها لم تظهر هذه الأوراق على الإطلاق، ولم يطلع عليها أحد». وقال هذا الوزير: «ولا أدري ماذا فعل بها عبدالناصر، وأغلب الظن أنه أخفاها تماماً ولم يتحدث فيها إلى أم كلثوم ولا إلى سواها، واعتبرها شأناً خاصاً لا يجوز لأحد أن يتدخل فيه»!.

وهناك زوج آخر في السيرة الكلثومية، هو زواج أم كلثوم بطبيب الأمراض الجلدية حسن الحفناوي الذي عقدته سنة ١٩٥٤ واستمر ٢١ عاماً.

وهو زواج أملته ضرورات صحية وبخاصة بعد إصابة أم كلثوم بالغدة الدرقية، وقد كان الحفناوي متزوجاً وله ثلاثة أولاد. ويبدو أن من أسباب تفضيلها له على ما عداه أنه طبيب، كما كان في مرحلة الرجولة الناضجة. فقد كان عمرها عندما تزوجته ٥٦ سنة في حين كان هو في التاسعة والثلاثين. وعندما أخبرها أنه يفكر في الطلاق من زوجته (وكانت قريبة له) لكي يتفّرغ لها، نهته عن ذلك وطلبت منه متابعة الاهتمام بزوجته وأولاده منها، وهكذا كان.

وقد تزوجت المطربة الكبيرة مرة من الملحن محمود الشريف زواجاً خاطفاً ثم طلقته على عجل. وقد أمضى الشريف حياته بعد ذلك في شبه رعب وضياع، دون أن يفقد ثقته بأم كلثوم وخصالها النادرة، كما ذكر بعد ذلك لأصدقائه.

تبقى الإشارة إلى الصوت / المعجزة لهذه المطربة الخالدة. فمن يسمع صوت أم كلثوم تعتريه حالة من الوجد لا يمكن مقاومتها. والوجد الشاعري يختلف بالطبع عن الانفلات العصبي الذي كثيراً ما وقع فيه جمهور غفير لها.

والثابت بلا جدال أن معدن صوتها الذهبي لا يصدأ أبداً. وقد برهنت الأيام المديدة على أنه صوت ذهبي بالمعنى المعروف لهذه الكلمة.

ولكن الذهب يتحرك مع الزمن، ويتشكل مرة بعد أخرى. وهذا ما اتفق لصوت أم كلثوم في تعامله مع الظروف الكثيرة التي تأثر بها في مراحله المتعاقبة. إن كتلة الذهب الهائلة التي صيغ منها صوت أم كلثوم لم تجمد على صياغة واحدة طوال مراحلها الزمنية والفنية.

ولا شك أن صوت أم كلثوم أسهم إسهاماً جوهرياً في خلق أسلوب التلحين العربي الحديث المتطور وتحديد مساره، وأتاح للملحنين أن يجوبوا آفاقاً ما كانت تخطر لهم على بال لولا وجود هذا الصوت الذي حملهم إلى تلك الآفاق.

كما فتح صوت أم كلثوم أبواباً للتلحين الجديد المتطور كان يتعذر أن تنفتح لمحلني عصرنا لولا إمكانياته الفنية الرفيعة التي يعتبر وجودها مجتمعة في صوت واحد سخاء على عشاق فن الغناء لا يسمح به الزمان إلا مرة كل بضع مئات من السنين.

فصوت أم كلثوم بمقدرته الهائلة، ومساحته الخصبة، ومقاماته المصقولة المضبوطة ذات التناسب العجيب، وذبذباته السحرية، ونبراته الوضيئة التي تتمثل فيها ألوان من لمحات الجمال والجاذبية، والقوة، لا نهاية لها.

وعندما ظهرت أم كلثوم في العشرينيات من القرن الماضي، كان ظهورها بشيراً بانقضاء مرحلة فنية متخلفة سبقتها.

ولما بدأ الشيخ أبو العلا محمد يلحن لها، وضح له أن صوتها يتطلب مستوى من الألحان أرفع بكثير من مستوى الألحان التي درج ملحنو ذلك العهد على تلحينها للمطربين والمطربات ومنهم منيرة المهدية ونعيمة المصرية وعبداللطيف البنا وسواهم.

وبعد الشيخ أبو العلا: ارتبطت أحلام دعاة التجديد الغنائي بصوت أم كلثوم، فقد كان صوتها الوسيلة المثلى لإقناع المستمع بقضيتهم في تجديد الغناء وتطويره. وبدون صوتها كانت حركة التجديد والتطوير ستبقى مجرد حلم من الأحلام.

ومن خلال صوت أم كلثوم انبعثت محاولات الموسيقار محمد القصبجي ابتداء من أغنية «إن كنت أسامح» في نهاية العشرينيات، إلى ألحان هذا الموسيقار المجدد التي كتبها في الثلاثينيات والأربعينيات.

وصوت أم كلثوم هو الذي جلا على الأسماع ألحان زكريا أحمد ورياض السنباطي، ومن صوتها استمدّ كلاهما روحا معنوية دفعته إلى تجويد تلك الألحان.

ولعل من ألطف ما قيل في أم كلثوم، هو ما قاله الناقد الفني الكبير كمال النجمي، فقد ذكر مرة أن أم كلثوم تأخذ اللحن فتكلثمه، أي تجعله لحنا كلثوميا خالص المذاق واللون والرائحة، وتصبّ فيه نبراتها، وتفرشه على قدر ما يناسبه من مساحة صوتها التي تتسع لكل الألحان، وتهيئ له عمليات فنية دقيقة متأنية ذكية، حتى تجلوه في آخر الأمر على صورته الكلثومية التي يحار في روعتها السامعون وتلمس قلوبهم وعقولهم كأنها مسّ من الوجد الصوفي، أو طائف من السحر العجيب!.

في تاريخ الغناء العربي لا مثيل لأم كلثوم في هذا المجال إلا فيما ندر. ولا يذكر تاريخ الغناء العربي إلا أصواتاً قليلة جداً غنّت للناس وتفننت عشرات السنين بقوة دائمة وتجديد لا ينقطع. ولا شك أن صوت أم كلثوم في مقدمة هذه الأصوات وأكثرها خلودا.

وقد برعت أم كلثوم على الخصوص فيما يسمّى «بغناء القصائد» وقد لا يبالغ المرء لذا اعتبر فن غناء القصائد هو نصف فن أم كلثوم، وقد تمرست به باكراً وهي ما تزال مغنية فتيّة جوّالة تغنّي في الأقاليم والمناسبات. وفي القصائد الأولى التي غنتها في شبابها الباكر تظهر بوضوح ملامح العشق العربي الذي يسلب المرء قلبه ولبّه.

وهناك قصائد كثيرة غنتها أم كلثوم في بداياتها منها قصيدة أبي فراس الحمداني: «أراك عصيّ، الدمع»، وقصيدة ابن النبيه المصري: «أماناً أيها القمر المطلّ»، وقصيدة رامي: «الصبّ تفضحه عيونُه» وقصيدة إسماعيل صبري باشا: «يا آسي الحيّ»:

ومن أشهر القصائد التي غنتها كوكب الشرق رباعيات الخيام وهي من ترجمة رامي.