بقلم - جورج علم:

عُيِّن سعد زخيا سفيراً جديداً للبنان لدى دمشق. الخبر عادي في ظروف غير عاديّة، شرّعت الأبواب أمام غضب عارم، واحتقانات سياسيّة داخليّة تؤلّب أمواجها تدخّلات خارجيّة، لتعزيز شراهة المصالح، وتحويل الحلول إلى أزمات.

وقف رئيس الحكومة سعد الحريري في وجه الرياح العاصفة، قال: «سفير لبناني في دمشق، يعني التأكيد على استقلالنا». موقف فجّر نهم التاريخ، والجغرافيا. كانت سوريا تنظر إلى لبنان كامتداد طبيعي، وتتعامل معه كإقليم له خصوصيته، مع تدخل مستمرّ في شؤونه، وفق ما تسمح به الظروف الإقليميّة والدوليّة. حاجز المصنع - (نقطة الحدود) - مستنفر على الدوام، تفرضه السلطات السوريّة ساعة تشاء في وجه قوافل السيارات والشاحنات العابرة، وترفعه ساعة تريد. منذ استقلال لبنان في مطلع أربعينيات القرن الماضي، ونوبات التأنيب تتوالى، دائماً هو في معرض الاتهام. ودائماً هو مقيّد بقائمة من العقوبات.

في العام 1976، اجتاح لبنان 40 ألف جندي سوري، نتيجة ظروف محليّة، وإقليميّة، ودوليّة مؤاتية، ولم يخرجوا إلا في نهاية شهر أبريل من العام 2005، طوال هذه الفترة استباح السوري كلّ شيء، وأباح لنفسه كلّ شيء، وتدخل في التفاصيل الأمنيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، يختار رؤساء الجمهوريّة، يشكّل الحكومات، يعيّن النواب عن طريق «الانتخاب»، يُقيل الوزراء، والمُوظّفين، يتدخل في كل شاردة وواردة، وأصبح ضابط المخابرات في عنجر الحاكم الفعلي المطلق الصلاحيات.

في 13 أغسطس 2008، قام رئيس الجمهوريّة (آنذاك) ميشال سليمان بزيارة رسميّة إلى دمشق لينهي القطيعة، وتمّ التفاهم على إقامة علاقات دبلوماسيّة بين البلدين، وقد حصل ذلك في شهر ديسمبر من ذلك العام. بالطبع لم يتحقّق هذا الإنجاز بعفو خاطر، بل نتيجة ضغوط دوليّة قاهرة أملت على النظام السوري أن يعترف - ولو مكرهاً - باستقلال لبنان، وكان ميشال الخوري أوّل سفير لبناني في دمشق، بينما كان علي عبد الكريم العلي أول سفير سوري في لبنان.

هل استقلّ لبنان عن سوريا فعلاً؟.

الجواب متلعثم. يكفي القول إن مليوني نازح سوري يتحكّمون بالمفاصل اللبنانية منذ مارس 2011، ويمارسون ضغوطاً لا حول له، ولا طاقة على احتمالها، بعد أن حكمه، وتحكّم بمقدراته 40 ألف جندي سوري ما بين العام 1976، ولغاية الـ 2005.

ويأتي تعيين سفير لبناني في ظلّ تشابك داخلي تظلّله الأعلام الطائفيّة، والمذهبيّة، والفئويّة، والمصلحيّة. ويقف سعد الحريري أمام الرياح العاتية، ليواجه خصومه داخل تياره، حيث شريحة واسعة تغضب، وتثور، وترفع الصوت، كيف يحصل أن يلتقي وزير الخارجيّة جبران باسيل بنظيره السوري وليد المعلم، من دون أن يحرّك ساكناً، وهو رئيس الحكومة القوي؟. وكيف له أن يعيّن سفيراً في دمشق سيقدم أوراق اعتماده إلى النظام الذي يكرهه، ويحاربه؟. ويرد: إنها مصلحة الدولة العليا، والسياسة هي فن إتقان المواقف لإنقاذ المصالح العليا وتدعيمها.

والمسألة بنظر الحريري، لم تعد مسألة شعارات، ومواقف «دونكيشوطيّة»، وسياسات شعبويّة، المسألة كيانيّة، وجوديّة، مصيريّة. لبنان لا يتعرض فقط لغزو سوري من أرتال النازحين، لبنان يتعرّض إلى تغيير ديموغرافي، أكثر من 300 ألف ولادة سوريّة منذ مارس 2011، لغاية منتصف الـ 2017؟، ما العمل؟!. الدول المانحة تقول بدمج مجتمع النزوح بالمجتمع اللبناني مقابل حفنة من الدولارات، ما معنى ذلك؟، وأيّ مصير ينتظر اللبنانيين في وطنهم وأرضهم؟!.

يملك الحريري نظريّة تقول بالعمل على تشريع باب العودة إلى المناطق الآمنة في سوريا عن طريق الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومُؤازرة الدول الصديقة المؤثّرة. باختصار إنه يريد «لوبي دولي» فاعلاً، ومؤثراً يعمل على تبنّي إعادة النازحين إلى سوريا، ومثل هذا غير مُتوافر الآن، ولا يمكن الجزم بأنه قد يتوافر في المستقبل القريب. أما رئيس الجمهوريّة ميشال عون، فهو صاحب نظرية التنسيق مع النظام السوري لتسهيل العودة، وتوفير بعض الإمكانيات العملانيّة لها، ولهذه الأسباب طلب من وزير خارجيته أن يلتقي بنظيره السوري لفتح قنوات التواصل والتعاون، تمهيداً لرسم الخطط، والتفاهم على المخارج. إنه خيار يحظى بمعارضة شديدة في الداخل، خصوصاً من قبل أولئك الذين تحرّكهم المخابرات الخارجيّة المناوئة، وما بين الخيارين المتباعدين يتفق الرئيسان عون والحريري على توقيع مرسوم تعيين سفير لبناني في دمشق، في ذروة الحصار الدولي - الإقليمي المفروض على النظام؟!.

 

كاتب لبناني