• الخنساء وليلى الأخيلية كان لهما حضور جيّد في نصوص النقّاد العرب
  • هناك موضوعات في الشعر بعيدة عن شؤون المرأة وتواضع إمكانياتها
  • طبيعة المعارف التي تتلقاها المرأة لها دور في إقصائها عن الإبداع
  • الكتابة والشعر لم يكونا ضمن المعارف التي يسمح للمرأة بمزاولتها
  • المعري : شِعر المرأة ضعيف بسبب العيوب الفنية
  • حضور لافت للمرأة في ديوان الحماسة لأبي تمام

بقلم - جهاد فاضل:

يحاول كتاب «المرأة من منظور النقد» للباحث الدكتور جابر خضير استجلاء أهم التصورات التي أفرزت موقفاً سلبياً من المرأة في الثقافة العربية بشكل عام ومؤسسة النقد العربي على وجه الخصوص.

ويتمحوّر التصوّر الأوّل في ضعف البنية الجسدية للمرأة قياساً ببنية الجسد الذكوري، وهو تصوّر كان له الأثر الكبير في تشكيل النظرة الدونية للمرأة في الواقع السوسيو ثقافي العربي، وهو ما انعكس بشكل جلي في خطاب النقد عند العرب، وذلك بخلق مستويين للإبداع.

يمثل المستوى الأول: الجزالة والقوة المستمدة من قوة الجسد الذكوري وذلك تحت معيار الفحولة الذي كان له الدور الكبير في خلق تصوّر مضاد ضمني له وهو معيار الأنوثة الذي يمثل المستوى الثاني والسلبي من مستويات الإبداع عند العرب.

كما تناول المحور الثاني التصوّر المستقرّ في عميق الثقافة العربية والمتمثل بضعف القدرة العقلية للمرأة وما كان له من انعكاسات سلبية على حضور المرأة في نصوص النقد العربي.

الغزل

ويدرس الباحث موضوع الغزل من خلال استجلاء المقاييس والمعايير التي صاغها النقاد العرب لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في هذا المجال، وهي مقاييس تؤهل المرأة لتبوؤ سلطة رمزية على الرجل، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة البعد السيكولوجي الذي قدره النقاد للرجل، وهو بعد يتنافى مع مركزية الرجل في المجتمع العربي خارج إطار هذه العلاقة.

وهناك مبحث عن المرأة له جانبان، الأول بوصفها منتجة للشعر، والأسس التي تمّ على ضوئها استحضار شعر المرأة في نصوص النقاد العرب، وذلك من خلال شاعرتين كان لهما حضور في النقد العربي في جانبيه النظري والتطبيقي، هما الخنساء وليلى الأخيليّة.

والثاني يتناول فيها تقبل المرأة للإبداع الشعري، محاولاً بذلك استجلاء أهم البواعث لهذا التقبل.

مقاييس النقد العربي

وقام الباحث بدراسة ديوان الحماسة لأبي تمام على اعتبار أن مختارات أبي تمام من الشعر العربي القديم تمثل التجلي الفني لمقاييس النقد العربي، ونظراً لحضور المرأة اللافت في هذا الديوان، قام الباحث بعملية مسح أركيولوجي للمرجعيات الثقافية المتحكمة في توجهات هذه المختارات «التي هي بالضرورة معبرة عن توجهات مؤسسة النقد عند العرب القدماء».

الكتاب إذن ذو قيمة نقدية وثقافية ومعرفية كونه غير مسبوق في بابه في عالم النقد العربي المعاصر، وهو مليء بملاحظات كثيرة وبنظرات جديرة بأن يُتابع البحث فيها. من ذلك ما يلاحظه الباحث حول المرأة والشعر، عمر بن الخطاب يقول: «الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه». ويقول الجرجاني: «إن الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء. ويؤلف عبدالكريم النهشلي كتاباً يسميه «الممتع في علم الشعر».

المرأة والشعر

ثمة نظرة تنفي عن الشعر صفة الإسهام والموهبة وتجعل منه علماً، فهل يمكن للمرأة الاقتراب من هذا العالم: عالم الشعر؟ مع ما استقر في اللاوعي الجمعي من ضعف عقلها وسخافة رأيها، ومن ثم فإن «أي استعمال للغة من قبل هذا الجسد يكون رغياً وثرثرة وحماقة».

وربما كان لطبيعة المعارف التي تتلقاها المرأة في المجتمع العربي دور كبير في إقصائها عن ممارسة الإبداع في شتّى صوره، ولم تكن الكتابة ورواية الأشعار من بين المعارف التي يسمح للمرأة بمزاولتها، فقد كان يقال: «لا تعلموا بناتكم الكتابة، ولا ترووهن الشعر، وعلموهن سورة النور «وهو ما عبّر عنه أبو العلاء في لزومياته:

ولا تحمد حسانك إن توافت

بأيد للسطور مقوماتِ

فحمل مغازل النسوان أولى

بهن من اليراع مقلماتِ

هذا والشعر كما هو معروف ديوان العرب وسجل مفاخرهم وهو كما يرى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي.. وإذا كان شعر المرأة انعكاساً لخبراتها، وتعبيراً عن تطلعاتها ونوازعها الذاتية، أو كما يرى أحد الباحثين «محاولة لتدمير الثابت أو لتهميشه في الثقافة الذكورية عن المرأة». فكيف يمكن أن نتصور المكانة التي يحظى بها هذا الشعر في مؤسسة ذكورية كمؤسسة النقد عند العرب؟.

طريق الشعر

هذا، وقد حدد الأصمعي جملة من الموضوعات التي تواضع عليها الشعراء الذين يمثلون هذا المفهوم بقوله: «طريق الشعر هو طريق شعر الفحول مثل أمريء القيس وزهير والنابغة من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء والخيل والحروب والافتخار». وهي موضوعات بعيدة كل البعد عن شؤون المرأة وتواضع إمكانياتها. بل إن بعضاً منها تُشكّل فيه المرأة ميداناً تطبيقياً لمقياس فحولة الشاعر كالتشبيب بالنساء، وبالإضافة إلى البعد الموضوعاتي للفحولة، فإن هناك أيضاً بعداً معرفياً عدّه النقاد خُطوة تأهيلية لا بد منها لتفحيل الشاعر وبناء مقدرته الفنية على ارتياد الموضوعات آنفة الذكر.

شعر النساء ضعيف

يقول أبو العلاء بعد ذكره عيوب القوافي في كتابه «الفصول والغايات»» «وإنما يوجد ذلك في أشعار النساء والضعفة من الشعراء»..

فأبو العلاء المعري يرى أن شعر النساء في مجمله ضعيف لما يعتريه من عيوب فنية لا يتساوى معهن في ذلك إلا الضعاف من الشعراء، وهذا الضعف واللين ربما كان هو السبب في تغييب شعر المرأة في العصر الأموي كما يرى أبو الفرج الأصفهاني الذي أمر من قبل أحد الوزراء بجمع أشعار النساء وأخبارهن في الدولتين الأموية والعباسية إذ يقول: «ولم أجد في الدولة الأموية منهن شاعرة مذكورة ولا خاملة لأن القوم ما كانوا يختارون مَن شعره لين، ولا يرضون إلا بما يجري مجرى الشعر الجزل المختار الصحيح»!.

الخنساء وليلى الأخيليّة

وبالنظر إلى كل ما تقدّم، هل يمكن للمرأة أن تسحب اعترافاً بشعرها من قبل القيمين على الإبداع من النقاد، إذا ما أرادت أن تمضي بالكتابة في الموضوعات التي تناسب ميولها وخبراتها، أم إنها ستلجأ إلى تفحيل شعرها في مناورة منها لسحب اعتراف مؤسسة النقد بها؟ وهذا ما فعلته شاعرتان كان لهما حضور لا بأس به في نصوص النقاد العرب.

وهما الخنساء وليلى الأخيلية. يقول فيها المبرد: «كانت الخنساء وليلى الأخيلية في أشعارهما متقدمتين لأكثر الفحول وقلما رأيت امرأة تتقدم في صناعة وإن قلّ ذلك، فالجملة ما قال الله تعالى: « أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ».

إن المبرد باستحضاره الآية القرآنية التي تصور نظرة العرب إلى المرأة على أنها ذات صامتة لا تصلح إلا للزينة، والتي عززت ما ذهب هو إليه من عدم إجادتها أية صناعة من الصناعات فضلاً عن صناعة الكلام، نراه يعترف للخنساء وليلى الأخيلية بتقدمهما على أكثر الشعراء الفحول. والحقيقة أن المبرد لم يُطرِ شعر المرأة هذا الإطراء إلا بعد أن تخلت عن أنوثتها، وسارت في ركب الفحول، وتطرقت إلى الموضوعات التي تطرقوا إليها والمعاني التي اعتادوا تداولها «وهذا يشير إلى أن المرأة دخلت إلى الشعر قديماً خاضعة لشروط النموذج الشعري، ولم تسع إلى تأسيس نسق شعري مختلف وهي تدخل إلى عمود الشعر مدفوعة بالرغبة في أن تكون مثل الرجال، وتقول شعراً مثل أشعار الرجال، وتكون فحلة مثلما أنهم فحول، ولم تفكر في التأنيث على أنه قيمة جمالية إبداعية»!.

النقد النسوي

ويرى الدكتور جابر خضير أن حضور المرأة بوصفها منتجة للإبداع في الموروث النقدي لم يكن أكثر من حضورها ناقدة للإبداع، وإذا كان شعر المرأة في معظمه قد جاء ضمن شروط الكتابة الذكورية، فإن نقدها كان نقداً نسوياً بامتياز.

ويضيف: «إن الحديث عن جنسيانية المرأة في المجتمع العربي يقودنا للحديث عن وضعها في ذلك المجتمع. ولا أرى من قبيل المبالغة والتعسف في القول إن جميع سياسات الإقصاء والتهميش والحجب التي مورست ضدها إنما هو نتيجة من نتائج الصورة الشبقية التي رسمتها الثقافة للمرأة.

إن إفصاح المرأة عن نفسها من خلال النقد إنما هو محاولة لمخاتلة ومراوغة الذوق العام وذلك باعتبار النقد كلاماً على كلام، وليس تعبيراً صادراً عن إرادتها ومنسوباً إليها. «وما يمكن أن نسوقه في هذا المجال ما أورده المرزباني وهو أن سكينة بنت الحسين قالت لصاحب كثير، أليس صاحبك الذي يقول:

يقرُّ بعيني ما يقرُّ بعينها

وأحسنُ شيءٍ ما بهِ العينُ قرَّتِ

فليس شيء أحب إليهن، ولا أقرّ لأعينهنّ من النكاح.

أفيحبّ صاحبك أن ينكح؟ قبحّة الله وقبحّ شعره!».

ديوان الحماسة

ولم تغب المرأة عن القصيدة العربية في كل أغراضها، فهي حاضرة في مقدماتها سواء كانت مدحاً أو هجاء أو حتى رثاء، هذا بالإضافة إلى غرض النسيب الذي يختص بذكر المرأة وما تتصف به من قيم جماليّة أو يبيّن مواجد الشعر نحوها، وبما أنّ ديوان الحماسة يمثل مجموعة مختارات من الشعر العربي، فهو لم يشذّ عن تقاليد القصيدة العربية، فنجد المرأة حاضرة في مقدمات بعض أشعار الحماسة، كما نجد أيضاً غرض النسيب الذي يُعدّ من الأبواب الكبرى في ديوان الحماسة، إلا أن الجديد في الأمر استحداث أبي تمام باب مذمّة النساء، وهو باب لم نجد له مثيلاً في أغراض الشعر المعروفة عند العرب، وربما كان السبب الذي دعا أبا تمام لذلك يرجع إلى الطابع القيمي للتصنيف الذي أخضع له مختارات الحماسة، وهو طابع ثقافي يخضع لتوجهات النسق أكثر منه طابعاً فنياً تتجلى فيه التقاليد الشعرية المتبعة عند العرب.

الرجل والعقل

وفي الكتاب أن أهم ميزة يتفوق بها الرجل على المرأة هو عقله، فما دامت هي ناقصة عقل ودين، فلم يبق إلا الرجل لاختصاصه بهذه الميزة، ولذلك فقد صار العقل قيمة ذكورية لا ترد في نص من نصوص الثقافة إلا ويراد بها الرجل، فهو «مرآة الرجل» كما «أن أفضل العقل معرفة الرجل بنفسه»، و«أعفّ ما تكون من النساء لا غنى بها عن الزوج، وأعقل ما يكون من الرجال لا غنى به عن مشورة ذوي الألباب..» وانطلاقاً من ذلك فقد عُدّ العقل رأسمال رمزياً يتمتع به الرجل دون المرأة، ومن ثم فإن أي عارض يؤدي إلى زوال العقل يعدّ من أخطر العوارض التي تهدّد بتحطيم مركزية الرجل وفقدان رأسماله الرمزي الذي وفره له المجتمع، ويمثل العشق أبرز العوارض التي يمكن أن تؤدي إلى ذلك الغرض، إذ إن اعتلال العقل بدرجاته المتفاوتة مكون هام من مكونات العشق. وقد عدد النيسابوري ضروب الجنون، فكان العشق أحد أضربه.

وهو ما يتبين أيضاً من المنجز الشعري الذي يربط بين العشق والجنون ربطاً وثيقاً، كما في قول الشاعر:

قالوا جننتَ بمن تهوى فقلت لهم

ما لذة العشق إلا للمجانين

كل ذلك شكّل مادة للتأسيس النظري للحب في النقد العربي إذ صار الجنون قيمة أدبية لا بد للشاعر من استحضارها في نتاجه العشقي.

فليست هناك أية قيمة في «أن يقول القائل قد أحببت.. ولكن لم أجنّ جنون قيس بن معاذ العامري» كما يقول الآمدي، بل إن العقل الذي يُعّد أهم ميزة يتصف بها الرجل في المحيط الاجتماعي، قد أصبح في مجال العشق وما يعبر عنه من نتاج شعري قيمة سلبية تقدح في مصداقية العاشق فيما يدعيه من حب تجاه المرأة، ولذلك أخذوا على جميل قوله:

ولو تركت عقلي معي ما طلبتها

ولكن طلابيها لما فات من عقلي

الحضور اللافت للمرأة

وعند الباحث أن موضوع المرأة يمثل أحد الموضوعات الأساسية في الأبحاث التي اتخذت من دراسة واقع المجتمع العربي وما يتحكم به من عادات وتقاليد وقيم مادة لها، ولا شك في أن المطلع على مجمل موروثنا في مجالاته كافة سوف يجد ذلك الحضور اللافت للمرأة، وهو حضور أفرز الكثير من الدراسات التي تناولت واقع المرأة في الثقافة العربية. ولعل النتيجة المتحصلة من هذه الدراسات هي تلك الصورة السلبية التي كونتها الثقافة عن المرأة، وهي صورة شملت كل الجوانب المتعلقة بها، الثقافية والمعرفية والبيولوجية والسيكولوجية، ولكون النقد مؤسسة فاعلة ومتأثرة ببقية مؤسسات المجتمع العربي القديم فقد سعت هذه الأبحاث إلى بلورة نظرة خاصة للمرأة من خلال نصوص النقد العربي، وهي نظرة لا تتقاطع مع التصورات المتشكلة حول المرأة بقدر ما تؤكدها وتتلاءم مع توجهاتها الإقصائية للمرأة.

الكتاب ذو قيمة أكاديمية لافتة، ويُعتبر من أجود ما كتبه الأكاديميون العراقيون في السنوات الأخيرة.