كتب - سميح الكايد:

بعد أن أعطت روسيا إشارات متعدّدة توحي باستعدادها دعم جهد التوصل إلى حلٍ سياسي للأزمة السورية، عادت إلى تأكيد موقفها الرافض لتنحي الرئيس السوري بشار الأسد كجزءٍ من عملية انتقالية نصّ عليها بيان "جنيف 1". كما تبيّن أنّ المرونة التي أبدتها روسيا طوال السنة الماضية لم تكن سوى تكتيكات سياسية هدفت من خلالها إلى امتصاص النجاحات العسكرية التي كانت تحققها المعارضة المسلحة السورية على الأرض من جهة، واستخدام اتصالاتها بالمعارضة كغطاءٍ للتمويه على توجّهها المضمر لرفع مستوى دعم النظام السوري، والذي جرت ترجمته مطلع سبتمبر الجاري بتدخلٍ عسكري مباشرٍ ينذر بتداعيات سياسية وعسكرية كبيرة.

التدخل الروسي

أشار إلى ذلك المركز العربي للأبحاث في إطار تقدير موقف للتطورات التي ترافقت مع التدخل العسكري الروسي المثير للجدل في سوريا لحماية نظام الأسد لافتا هنا إلى أن روسيا تحتفظ بوجود عسكري قديم في سوريا، يشمل العشرات من جنود البحريّة في قاعدة طرطوس، التي يستخدمها الروس بين فترة وأخرى منصةً للتزوّد بالمؤن والوقود، كما تحتفظ بمستشارين ومدربين يتراوح عددهم في الغالب بين خمسمئة إلى ألف مدربٍ ومستشارٍ عسكري يتواجدون في مواقع بحثية أو قطع عسكرية أو منشآت تصنيع عسكري. ومع أنّ موسكو تذرعت بأن تدّخلها الراهن امتداد لوجودها القديم، فإنّ صور أقمار صناعية نشرتها وسائل إعلام مختلفة تظهر بدء العمل على إقامة قاعدة عسكرية روسية في مطار حميميم (باسل الأسد) ويجري توسيع مدارج المطار وتأهيله لاستقبال طائرات الشحن الكبيرة، وتجهيز مساكن مسبّقة الصنع لإقامة الجنود. كما أرسلت موسكو ست دبابات حديثة من طراز T-90، و15 مدفع هاوتزر، و35 ناقلة جند مدرعة، و200 جندي من مشاة البحرية الروسية إلى القاعدة الجديدة لتأمين الحماية لها.

وأوضح هنا أنه وعلى الرغم من أنّ روسيا تصرّ على أنّ طبيعة وجودها العسكري في سوريا لم تتغير، وأنّ معظمه يتشكل من "خبراء يقدمون المساعدة في ما يتعلق بإمدادات الأسلحة الروسية إلى سوريا التي تهدف إلى محاربة الإرهاب "فإنّ حركة طائرات الشحن الروسية تشير إلى أنّ التدخل العسكري الروسي في سوريا يتعاظم بشكل يومي، ويأخذ أشكالًا مختلفة: قوات خاصة، وتدخل سريع، وخبراء، ومدربون، ومستشارون، بالإضافة إلى مدِّ النظام السوري بمعدات وأسلحة ذات قدرات تدميرية عالية استخدمت في قصف مدينتي الرقة وحلب في الأيام القليلة الماضية. كما نشرت مواقع معارضة سوريّة مؤخرًا مقاطع فيديو تُبيِّن مشاركة قوات روسية في قصف مواقع عسكرية تابعة للمعارضة المسلحة في جبال اللاذقية.

غطاء سياسي

وأشار إلى أن روسيا على مدى السنوات الخمس الماضيّة، أي منذ اندلاع الثورة وفرت غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا فعالًا حمى النظام السوري من أشكال الإدانة القانونية والسياسية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وعلى الرغم من مشاركتها في صوغ بيان جنيف في 30 حزيران/ يونيو 2012 الذي نصّ على تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة كخطوة لازمة وضرورية على طريق حل الأزمة سياسيًا، سعت روسيا لفرض تفسيرها الخاص للبيان من خلال الإصرار على اعتبار الأسد جزءًا من المرحلة الانتقالية، ثم ربط مصيره وبقائه "بإرادة الشعب". في هذه الأثناء، أخذت موسكو على عاتقها مهمة تقسيم المعارضة وشرذمتها على نحو أوسع، كما سعت إلى تفريغ الاعتراف الدولي بالائتلاف الوطني المعارض، باعتباره ممثلًا لقوى الثورة والمعارضة، من مضمونه، ودعت إلى مؤتمرات حوارية بغية تصنيع معارضات أقرب إلى مواقفها. بيد أنّ المكاسب التي حققتها المعارضة المسلحة في النصف الأول من عام 2015، أفشلت هذه المساعي، ودفعت باتجاه تحركٍ دبلوماسي.

تحالف عريض

وقال: دعت موسكو إلى إنشاء تحالفٍ عريضٍ. ولما فشلت المساعي الروسية في تحقيق أي نتيجةٍ على هذا الصعيد، بدأت روسيا تدّخلها المباشر إلى جانب النظام، منعًا لانهياره بشكل مفاجئ بعد أن بلغ مرحلة متقدمة من الضعف والإنهاك على يد فصائل ذات توجهات إسلامية معادية للنظام ولتنظيم "داعش" في آنٍ معًا، بما يؤدي إلى فقدان موسكو جميع استثماراتها السياسية في الأزمة السورية، وفي ظل مؤشرات كثيرة أيضًا على أنّ موسكو تفقد نفوذها بشكل متزايد في المناطق التي يسيطر عليها النظام.

تنسيق روسي إسرائيلي

وأشار في هذا السياق إلى أن روسيا ومن أجل تعزيز موقفها الرامي للتدخل العسكري في سوريا والمرفوض إقليميا لجأت إلى إسرائيل للتنسيق معها بهذا الشأن مدعية أن هذا التنسيق يأتي بسبب فشل تحقيق تحالف لإضعاف "تنظيم الدولة"، وفشل أمريكا في تدريب شريك ميداني مقبول (المعارضة المعتدلة) وتجهيزه لمواجهته على الأرض.

للتغطية على تدخلها إلى جانب النظام، عرضت موسكو على واشنطن التنسيق في "الحرب على الإرهاب" في سوريا، وهو عرض لم تملك إدارة أوباما التي يتملّكها هاجس مواجهة تنظيم "داعش" أن ترفضه. وزيادة في طمأنة واشنطن، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، بتنسيق خطواته في سوريا مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في مؤشرٍ جديدٍ آخر على عمق العلاقة والتحالف التي تربط موسكو وتل أبيب، والتي كانت محطة بوتين الخارجية الأولى بعد إعادة انتخابه عام 2012.

خطاب أوروبي

ولفت المركز إلى أن الخطوة الروسية تزامنت مع موجة لجوء كبرى إلى أوروبا، من المهجّرين السوريين، أفرزت خطابًا أوروبيًا جديدًا (ألمانيا، والنمسا، وإسبانيا، وبريطانيا، والمجر) يدعو إلى الانفتاح على روسيا والتعاون معها لإيجاد حلٍ عاجلٍ يوقف تدفق اللاجئين حتى لو تطلب ذلك الانفتاح على الأسد أو التخلي عن مطلب رحيله في المدى المنظور. إقليميًا، استغلت روسيا انشغال الدول الداعمة للمعارضة السورية بمسائل أخرى أكثر إلحاحًا لتمرير تدخلها من دون ضجة كبيرة.

معاناة السوريين

في ضوء هذه المعطيات استبعد تقدير العربي للأبحاث إمكانية استرداد النظام السوري للمناطق الحيوية التي فقد سيطرته عليها على الرغم من شعور القوة الخادع الذي يبديه إثر التدخل العسكري الروسي لمصلحته، وتصريحات مسؤوليه عن "قلب الطاولة" وتغيير المعادلات العسكرية والسياسية.

وقال إن التدخل الروسي لن يصنع فارقًا كبيرًا في موازين القوى القائمة حاليًا كون هدفه يبقى محصورًا في منع سقوط النظام وليس استعادة ما خسره النظام من أراضٍ ومدنٍ خلال الفترة الماضية؛ كما أنّ التدخل الروسي سيظلّ مقتصرًا على الأرجح على دمشق ومنطقة الساحل التي توليها روسيا أهميةً خاصةً بوصفها منفذًا بحريًا على البحر المتوسط، وتمتلك فيها امتيازات حصرية (25 عامًا) تسمح لها بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السوريّة، وذلك بحسب الاتفاقية الموقعة بين النظام والحكومة الروسية في أواخر عام 2013 .