بقلم / جهاد فاضل - كاتب لبناني :

تنعم أربع دول عربية في الوقت الراهن هي سوريا والعراق واليمن وليبيا بما يطلق عليه الإعلام العالمي «اللبننة».

وهي عبارة يقصد بها حالة اقتتال ومذابح بين طوائف ومذاهب وجماعات متناحرة عرفها لبنان طيلة عشرة سنة ابتداءً من عام ١٩٧٥ ولم تزل آثارها تمامًا حتى الآن، وتفتك اللبننة بهذه الدول العربية الأربع فتكًا كليًا أو جزئيًا ولكنه لا يزول، لأنه في إطار التخلف الكامل الذي تخضع له هذه الدول لا علاج له.

ولكن هذه «اللبننة» التي يعود للبنان فضل تسميتها، إن كانت هذه التسمية فضلاً، ليست الصورة الوحيدة للبننة كما أرادها اللبنانيون وكما نظّروا لها قبل تلك الحرب التعيسة التي عرفها بلدهم، فقد كانت اللبننة رسالة تمدّن وحضارة وثقافة، ونشر هذه الرسالة في العالم قاطبة عبر وسائل مختلفة منها مهاجروهم المنتشرون في شتى أصقاع الأرض والذين يعدّون -حسب إحصاءاتهم- عشرين مليون نسمة، ومن يعد إلى تلك الثقافة التي كانت منتشرة في لبنان في النصف الأول من القرن العشرين يعثر على تنظير لا يخمد للبننة، ينبغي أن تعّم العالم هي وحدها رسالة الوطن الصغير لأهل الأرض. فها هو الشاعر اللبناني الفينيفي الهوى سعيد عقل يقول في مقدمة ديوانه (قدموس): «إن لنا نحن اللبنانيين من التاريخ والحاضر والمواهب والقيم ما يؤهلنا للبننة العالم».. هذا في النثر، أما في الشعر، فقد ورد في هذا الديوان على لسان قدموس: «ونبني، أنىّ نشأ، لبنانا» وبهذا يكون لبنان لا مساحة في جغرافية الخوض الشرقي للمتوسط، بل وطنا قابلاً لأن يبنيه أهله في أمكنة أخرى أيضاً، فهو حالة حضارية لا مساحة جغرافية، وعلى هذا النحو نظّر كثيرون غير سعيد عقل «للبننة» طموحةٍ، تحمل على عاتقها أداء دور وتصدير إشعاع مبثوث في جبلتها منذ القديم مثله ذات مرحلة فينيقيو قرطاجة، وعلى رأسهم هنيبعل، الذي اجتاح أوروبا بقصد احتلال روما عاصمة الأمبراطورية الرومانية، وكاد يحتلها لولا ظروف قاهرة يتحدث عنها المؤرخون.

تلك «لبننة» تعيش في الطموح، وربما في الظنّ، كانت تعمر قلوب النخب اللبنانية في الماضي القريب نسبيًا ولا يزال يتردد لها صدى حتى اليوم، وهذه «لبننة» أخرى أكثر واقعية بالطبع من الأولى هي التي شهدها اللبنانيون المعاصرون في بلدهم قبل أربعين عامًا من اليوم، وها هم «يصدّرونها» هذه المرة لأربع دول عربية تشهد كل واحدة منها حروبا أهلية ومذابح على الهوية ودمارًا روحيًا وماديًا يفوق الوصف، اللبننة الأولى لم يتح لها الانتشار، في حين تسري اللبننة الثانية كما تسري النار في الهشيم، وتكاد تقضي في بعض أو أكثر هذه الدول على العمران المادي والبشري، ولو تساءلنا عن السبب الذي يساعد هذه اللبننة على الفتك الذريع بهذه البلدان العربية لما وجدناه إلا في قابليتها للحريق أو للاحتراق، إنها بلدان لم تتمكن من الصعود إلى قطار التقدم والحداثة، ولم تستجب لنداءات العصر ولم يصلها من أدوات المؤسسات الحديثة التي صنعت حضارة الآخرين إلا القشور، وهكذا بقيت علاقتها بالقرون الوسطى أوثق وأمتن من علاقتها بالعصر الحديث، بل إن بعضها يعيش في الواقع في عالم القرون الوسطى، ولا يصلها من العالم الراهن إلا القليل من أدواته كالسيارة والطائرة والتلفزيون، وإذا اختلفت جماعاتها حول أمر ما، احتكمت لا إلى المنطق أو كلمة سواء، بل إلى الخنجر أو إلى ما هو بحكم الخنجر، بل إن فكرة الوطن أو الأمة غير متحققة أصلاً في الذهن العام، فالمتحقق هو الطائفة أو المذهب أو القبيلة أو العشيرة أو المرجعية التي هي في الأعم الأغلب خارجية، وعندما يكون المناخ السائد على هذا النحو، فإن من حق اللبننة التي فتكت بلبنان سبعة عشر عاماً أن تكون الهادي الذي تهتدي به هذه البلدان كما اهتدى لبنان ولم يتمكن من الخروج من نفقه - إذا خرج بالفعل - إلا بتضافر جهود دولية، هذا مع الإشارة إلى أن لبنان يمكن أن ينزلق في أي وقت إلى حرب أهلية طائفية لا تبقي ولا تذر نظرًا إلى توفر أسبابها وظروفها، ذلك أن لبنان طائفة لا وطن ولا مجتمع، ومرجعيات أجنبية لا عصبية وطنية، والمواطن فيه مسلم وسنّي وشيعي ودرزي ومسيحي، وعندما تكون صورته على هذا الشكل تكون صورة اللبننة فيه لا كما اشتهت بعض نخبه في «المجلة الفينيفية»، أو في دواوين الشعر، بل كما مارسته ملله ونحله ومذاهبه، فاللبننة إذن ليست واحدة، ولبنان خاضع لصورتها السلبية خضوع الآخرين لها.