بقلم - هشام ميشلان:

تمّ إنشاء حلف شمال الأطلسي «النّاتو» عند بداية لعبة القط والفأر بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية؛ ومع توصل الاتحاد السوفيتي للقنبلة النووية، حيث كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير لدى الولايات المتحدة الأمريكيّة، وهناك جاء دور تركيا لتعديل الميزان وتعديل الكفتين بين القوتين العظميين، حيث كان دور تركيا مفيدًا للقوتين؛ فالاتحاد السوفيتي كان يخطط لإقامة قواعد في المضائق، والولايات المتحدة الأمريكيّة كانت تطمح لتأسيس قواعد لها على الأراضي التركية في مواجهة المدّ الشيوعيّ.

كان انضمامُ تركيا لحلف النّاتو قد أكسبها مكانة إلى جانب الحلف الأمريكيّ البريطانيّ مع بداية الحرب الباردة، وكانت عضوية تركيا في الحلف الأطلسي بالغة الأهمية للدول الأعضاء في الحلف، حيث حال وجودها دون اندلاع حرب عالميّة ثالثة مُحتملة. وكما أنه من المعروف أن الهدف الرئيسي لتأسيس حلف الناتو كان هو الصراع ضد الشيوعيّة، وكانت تركيا تشكل مفصلًا رئيسيًا في ذلك الصّراع من جهة، ومن جهة أخرى ففي المادة الخامسة من معاهدة حلف النّاتو أنّ أيّ اعتداء يوجّه ضدّ وحدة أراضي أيّة دولة من الدّول الأعضاء في الحلف يُعتبر اعتداء على جميع الدّول الأعضاء، ورأينا كيف تم تفعيل هذه المادة مباشرة بعد هجمات الحَادي عشر من سبتمبر، وكان المثال الوَحيد على تفعيل المادّة الخامسة لحلف النّاتو، وعندما دعت تركيا حلف الناتو لاجتماع طارئ عملًا بالمادّة الرّابعة من معاهدة الحلف صرح وقتها الناطق الرسمي باسم الحلف بأن تركيا ليست وحيدة في مواجهة الإرهاب، وهكذا ظاهريًا تبدو تركيا مدعومةً من قبل الناتو فيما تنفّذه من عمليّات ضد الإرهاب، مع العلم أن تركيا ما زالت تواجه العديد من التنظيمات الإرهابية على الحدود الجنوبيّة، وأبرزها حزب العمّال الكردستاني وهو التّهديد الوحيد والفِعلي الذي يهدد الوحدة الوطنية التركية.

ومن الطرائف فإن الهدف من إنشاء حلف الناتو كان التّصدي للمدّ الشّيوعي، وتركيا اليوم تحت تهديد حقيقي وفعلي لتنظيم إرهابيّ شيوعي مُلحد، أي أن تركيا هي دولة من الدّول الأعضاء في حلف الناتو التي أصبحت وحدتُها التّرابية في مواجهة خطر حقيقيّ مباشر، ومع أنّ الدّولة التركيّة تملك ثاني أكبر جيش ضمن دول حلف الناتو، وهي قادرة على مواجهة حزب العمال الكردستاني وتحجيمه إلى حد كبير، إلا أنها ولحسابات داخلية سياسية واجتماعية، لم يكن هدفها سفك الدّماء، ولهذا السبب تركيا في الوقت الراهن ليست في حاجة لأيّ مساعدة أو دعم عسكري من النّاتو، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية عوض أن تدعم تركيا في هذا الملف لأنها عضو في الحلف، تقوم بالعكس، وهو دعم حزب العمال الكردستاني الإرهابي سياسيًا وعسكريًا، حيث سمعنا كيف صرحت الولايات المتحدة الأمريكيّة قائلة: « نحنُ لا نعتبر وحدات الحماية الكرديّة تنظيمًا إرهابيًّا، ولا نراه يمثل تهديدًا«، وهذا مُخالف لما ينبغي أن يتحمّله التّحالف من مسؤوليّاته تجاه دولة عضو في الحلف، فرد الرّئيس أردوغان حينها قائلًا: « أمريكا لا تدفعُ الثّمن في الوقت الحاضر، من يدفع الثمن هم نحنُ، ونحن من يعرف ما ترتكبه وحدات حماية الشّعب الكرديّة وحزب الاتحاد الديمقراطي«.

حسب رأيي المتواضع، وبعد نجاح الرئيس رجب طيب أردوغان أظن أنه بدأ مناورة سياسية قد تعدل الكفة المختلة مع موقف الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وذلك من خلال تقاربه المطرد مع دول أمريكا اللاتينية كفنزويلا وغيرها، ليخلق حالة دعم سياسيي وزيادة معدلات التبادل التجاري والثقافي بين تلك الدول ليوصل رسالة فحواها: ماذا لو أن تنظيمًا ماركسيًّا ينشط على حدود الولايات المتحدة ويسعى لإقامة دولةٍ، ويعمل على إرسال مسلّحيه إلى داخل التّراب الأمريكيّ، وينفّذ باستمرار عمليّات مسلّحة؟!، عندها طبعًا ستحشد الولايات المتحدة الأمريكية دول الناتو وتطبّق مقتضى المادّة الخامسة من ميثاق الحلف للمرّة الثّانية، وتتدخل على الفور عسكريًّا، وهنا تفتضح ازدواجية المعايير الأمريكية التي تحاول فرضها على حلف الناتو بصيغة الأمر، أتوقع بعد التغييرات في تركيا تغييرات أيضًا في لعبة التوازنات الدولية، عندها سيكون ترامب في موقع ضعيف لأنه يفكر ويخطط عبر التويتر، مما سوف يحرج الولايات المتحدة الأمريكية كدولة مؤسسات، وسيحرج أيضًا فريق الرئاسة الذي لن يستطيع تدارك أخطاء ترامب في لعبة كبيرة كهذه.