رغم اعتراف الابن بأن والده مجرم وإرهابي لكنه يعتبره أباً صالحاً

ترجمة وإعداد- كريم المالكي: المنزل الذي كان يعيش فيه ابن بابلو اسكوبار، أكبر تاجر مخدرات في العالم، منزل يحلم به كل صبي صغير، فهو عبارة عن ضيعة كبيرة فيها مضمار سباق واسع جدًّا وحمامات سباحة وحديقة حيوان خاصة تحوي الحيوانات النادرة والغريبة تقدر قيمتها بملايين الدولارات ووسائل أخرى لا يصدقها عقل.

وقد يبدو هذا البيت المترامي الأطراف مكانًا مثاليًّا لينمو ويكبر فيه صبي كتب له القدر أن يكون ابن سابع أغنى رجل في العالم، ولكن بالنسبة للشاب سيباستيان ماروكوين، كان مكانًا للخوف، ليس فقط بسبب هرب فرس النهر الذي جلبه والده ليعيش في الأنهار والبحيرات المحيطة بالضيعة، بل لسبب رئيسي آخر. لقد كان خوف الشاب يتعلق بسلامة والده بارون الجريمة الملياردير بابلو اسكوبار، الذي كان في ذلك الوقت المطلوب الأول في العالم، والذي دخل حربًا طويلة ودامية مع منافسيه من زعماء عصابات تهريب الكوكايين والدولة الكولومبية على حد سواء.

وفي كتابه الذي حمل عنوان "بابلو اسكوبار- والدي" كشف الابن تفاصيل كثيرة عن والده، وحجم العذاب والخوف من العنف الذي كان يعيشه، خصوصًا وأنه معروف لدى الآخرين بأنه ابن الرجل الأخطر في العالم، ويروي تفاصيل عدة من بينها كيف أن والده أحرق ذات مرة مليوني دولار نقدًا للحفاظ على إبقاء ابنته دافئة خلال الليل وذلك حينما كانوا في حالة فرار.. ويعترف الابن في الكتاب وبوضوح شديد بأن والده مجرم خطير.

طفولة وثراء ..

ماروكوين، الذي يبلغ الآن من العمر 38 عامًا نشأ في الفترة التي كان فيها والده من بين أغنى عشرة رجال في العالم بحسب تصنيف مجلة الفوربس بمجموع أموال قدرها 30 مليار دولار. وجمع الأب ثروته من بيع المخدرات وغسيل الأموال. وكان لديه فائض استثنائي من المال، وهذا ما تكشفه الحياة في داخل منزله الخرافي.

ماروكين، الذي غيّر اسمه من خوان بابلو اسكوبار، يتذكر كيف أن المنزل الضيعة الذي كان يعيش فيه احتوى على أساطيل من السيارات القديمة، ومنازل للخدم وحمامات للسباحة ومجموعة كبيرة من الحيوانات الغريبة، بما فيها الفيلة والتي تم شراؤها بمبالغ مالية ضخمة.

وفي الكتاب الذي هو سيرة ذاتية، والذي ذهب إلى أن يصبح أحد أكثر الكتب مبيعًا في أمريكا اللاتينية، كشف ماروكوين أيضًا أنه شاهد أموالا وثروات لا تصدق وهو طفل، وتحدث عن تفاصيل الحفلات الصاخبة والتي كان يتم فيها حشو القدور الفخارية بعشرات آلاف الدولارات. وكيف أن طائرات الهليكوبتر ترسل على نحو متكرر إلى مطاعم الوجبات السريعة من قبل الأطفال في المنزل لجلب الطلبات الخاصة بهم. كما ضمت بقايا عقار اسكوبار الضائع حلبة خاصة لمصارعة الثيران ومهبطًا للطائرات.

قصص الجريمة والموت ..

ومع هذا العالم الخيالي، يتذكر ماروكوين قصص الخيانة والموت وسلوك والده اسكوبار الخاطئ. وفي الماضي، قيل له كيف أن والده أحرق مليوني دولار خلال ليلة واحدة لمجرد إبقاء ابنته دافئة حينما كانت تقتفي آثارهم الشرطة الكولومبية. وقيل له إن بارون الكوكايين أشعل النار في تلك الليلة باستخدام ربطات من الدولارات الأمريكية عندما كانوا في مخبأ جبلي لان ابنته مانويلا كانت تعاني من انخفاض حرارة الجسم.

ويذكر الابن في مقابلة أجرتها معه مجلة كولومبية في عام 2009م أن والده، المطلوب رقم واحد في العالم، استخدم النار، بإحراق كمية من الدولارات لإعداد الطعام أيضًا. كما أنه لم يكترث لعواقب ما سيحدث، ولم يَعنه مطلقًا أن ترشد ألسنة النيران رجال الشرطة الذين كانوا يبحثون عنه، فكل ما كان يشغله هو "إنقاذ حياة أختي مانويلا".

عائلته نقطة ضعفه ..

وكشف الابن أيضًا أن اسكوبار المجنون بالأمن اشترى شركة سيارات أجرة خاصة لمعرفة من هم الغرباء الذين يصلون إلى بلدتهم لأنه يخشى من أن يتعقبه شخص ما. وأضاف ماروكوين أنه وعائلته كان يتم نقلهم كل يومين بين 15 مخبأ موزعة في جميع أنحاء المدينة.

ويتم عصب أعينهم قبل كل خطوة بحيث لا يمكن أبدًا أن يتعرفوا على مكان وجودهم خشية أن يتم تحديد الموقع في حالة تعرضهم للتعذيب إذا ما تم القبض عليهم. وأضاف: لقد دبر والدي سلسلة من المخابئ بمختلف أرجاء البلاد لحماية أسرته، التي كانت نقطة ضعفه، لأنه كان يعلم تمامًا، أنه كتاجر مخدرات سوف يقع آجلا أو عاجلا في يد العدالة.

الابن يعلم حقيقة الأب ..

ويقول ماروكوين: في سنّ التاسعة لقنني والدي أول درس حول المخدرات مرفقًا بنصيحة لي تقضي بعدم استهلاكها على الإطلاق وعدم المشي على خطاه. ويؤكد نجل زعيم كارتل ميديين، الذي قرر أن يُقدم في هذا الكتاب سيرته الذاتية التي تروي قصة شبابه من وجهة نظره الخاصة: والدي ليس شخصًا ينبغي السير على خطاه، لقد دلنا على الطريق الذي لا ينبغي على المجتمع سلوكه، لأنه طريق التدمير الذاتي وفقدان القيم حيث لا قيمة للحياة.

وكان ماروكوين قد قرر في سن السابعة والثلاثين أن يروي قصة بارون المخدرات الفاحش الثراء وكيف أن والده في الثمانينيات ارتكب أبشع الفظائع في كولومبيا، لتجنب تسليمه إلى الولايات المتحدة. ويقول ماروكوين بأنه ما إن بلغ سن السابعة حتى أصبح على بينة من أن والده سيئ السمعة وهو ابن أكبر بارون مخدرات على هذا الكوكب.

أب صالح ..!

ويروي قائلا: لقد كان شرفًا كبيرًا لي أن أكون ابن بابلو اسكوبار. كان أبًا صالحًا بالنسبة لي، واحتفظت بآلاف الرسائل التي ضمّنَها الكثير من النصائح لي، محفزًا إياي على إكمال دراستي، وأن أكون إنسانًا صالحًا، وأن أبتعد عن عالم المخدرات. ورغم ذلك يقر الابن أن والده كان مجرمًا وإرهابيًّا، ويؤكد بأنه ليس بمقدوره أن يحجب الشمس بيديه.

ويقول ماروكوين، الذي اعتمد هذا الاسم المستعار عندما اختار العيش في المنفى بالأرجنتين مع والدته وشقيقته بعد وفاة والده في الثاني من ديسمبر 1993م في ميديين في كولومبيا، يقول: كان بإمكاني أن أتحول إلى نسخة متطورة من بابلو اسكوبار إلا أنني أصبحت شخصًا آخر فقد درست الهندسة المعمارية وأصبحت مصمّمًا ومحاضِرًا والآن كاتِبًا.

ويضيف: سنحت لي فرص لا تُحصى لدخول مضمار الأعمال غير المشروعة. إلا أني رفضت هذه العروض على الدوام، لأني تعلمت درسًا حول تجارة المخدرات فهي نشاط مدر للمال لكنه يقضي عليك في نهاية المطاف. وكشف ماروكوين أنه عندما كان عمره 11 عامًا، حدث انفجار بسيارة ملغومة زرعها أحد تجار المخدرات المنافسين لوالده في واحدة من شققهم، وقد دفعه ذلك ووالدته إلى مناشدة والده لوضع نهاية للعنف، ولكن دون جدوى، ويقول: لقد توسَّلت إليه والدتي عدة مرات للتخلي عن العنف، لكنه كان قد وصل إلى نقطة اللا عودة.

اهتمام بالفقراء ..!

في ذروة سلطته كان بابلو اسكوبار سابع أغنى رجل في العالم حيث تناولته الكثير من الكتب والأفلام والمسلسلات التلفزيونية والرسوم المتحركة. ويرفض الابن الرواية الرسمية حول وفاة والده والتي تقول إن فرقة خاصة للشرطة هي التي قتلته عندما كان يهرب عبر أسطح المنازل. ويؤكد على أن والده انتحر بإطلاق رصاصة في أذنه اليمنى، ويقول: لا أشك بذلك بتاتًا، مشيرًا إلى أنه يمتلك أدلة وهو لا يهدف بذلك إلى تحويله إلى "بطل أو شهيد".

وفي المقابل تصف عمته ألبا شقيقها بأنه محسن كبير كان يهتم بأفقر الفقراء ولا يزال رمزًا في بعض الأحياء الفقيرة بسبب سخائه الكبير. كما كشف الابن أيضًا كيف أن والده الملياردير بنى ملاعب كرة قدم للأطفال في الأحياء الفقيرة حتى يحميهم من اللجوء للمخدرات، في حين كان يتم تمويل هذه المشاريع نقدًا من صفقات المخدرات الضخمة التي يجريها.

ويقول ماروكوين: لم يبق من الثروة الهائلة التي حققها والدي شيء، لأن أعداءه الذين كان البعض منهم أصدقاء في الماضي اعتبروها غنيمة حرب ويشير إلى خيانة عمه روبرتو اسكوبار المُخبر لدى الوكالة الأمريكية لمكافحة المخدرات. ويضيف: تخلينا عن كل ممتلكاته وأنا ممتن لذلك، لأنه سمح لنا بالبدء من الصفر. ومن بين ثروته الضخمة والخيالية لم يحصل الابن إلا على ساعة بسيطة، يقول إنه لا يزال يحتفظ بها بكل حب ومودة. ويشير إلى أنهم وبعد خروجهم من كولومبيا قامت الحكومة بمصادرة كل ثروته، ولم يحصلوا لا عائلته ولا الضحايا على شيء منها.

مسار مختلف ..

وكان نجله أظهر وجهًا مختلفًا لعائلة اسكوبار في العام 2009م حيث طلب الصفح من ضحايا أعمال العنف المرتبطة بالمخدرات في فيلم وثائقي بعنوان أخطاء والدي. ووعد بتخصيص عائدات كتابه إلى عائلاتهم وإلى جمعيات خيرية في كولومبيا، ويختم قائلا "الأمر لا يتعلق بمحو الأخطاء المرتكبة بل المساهمة كل بحسب قدرته، في رفاه البلاد".

ومنذ أن تعهد بألا يسير على خطى والده اسكوبار، سافر ماروكوين إلى أمريكا اللاتينية لإعطاء محاضرات في مكافحة العنف والضغط من أجل إصلاح سياسات مكافحة المخدرات. وقال مؤخرًا إن والده بعيدٌ جدًّا عن كونه بطلا.

ويقول ماروكوين، إنه يشعر بالفخر لأنه تجنب أن يكون "نسخة فتاكة" من والده، ويضيف: كان بإمكاني أن أصبح أسوأ من والدي لكنني أصبحت مهندسًا معماريًّا. وأتيحت أمامي آلاف الفرص للوصول إلى العمل غير المشروع، ولكني رفضت هذه الفرص، لأنني تعلمت الدرس جيدًا بشأن تهريب المخدرات، إنه عمل قد يكون في نظر البعض جيدًا جدًّا، ومن الأعمال التجارية المربحة جدًّا لكن نهايته تدمير صاحبه.

عن صحيفة الديلي ميل البريطانية