بقلم/د.عبدالعزيز المقالح-كاتب وشاعر يمني:

ماذا يعني هذا النوع من الجنون؟ في اللغة الارتياب هو أعلى درجات الشك، وهو عند الأطباء النفسيين حالة مرضية يتحول معها الشك إلى يقين، وبعد أن كان وهو في مستوى الشك ضربًا من الاحتمال أصبح يقينًا لا يقبل النقاش. ولعل أسوأ حالات هذا المرض هي تلك التي تقوم بين الرئيس في العمل والمرؤوس لما ينتج عن تلك الحالات من إفساد العلاقة التي ينبغي أن تكون طبيعية لمصلحة العمل، ثم ما كان ولا يزال يترتب على هذه الحال من تدمير للكفاءات وإقصاء للمواهب في مختلف المجالات العلمية والمعرفية. وظاهرة الاختلاف بين الرؤساء والمرؤوسين في العالم، وفي الدول المتخلفة خاصة من أهم الأسباب المؤدية إلى الخلافات وتعثر الإنتاج وإفساد الأجواء وتزايد حالات الإحباط.

وإذا كان جنون الارتياب مرض عالمي فإن حالاته المريبة لا تتصاعد وتبلغ ذروتها إلاَّ في الشعوب الفقيرة المتخلفة، ومعنى ذلك أن الارتياب في هذه الحالة يغدو صناعة من صناعات الفقر والتخلف، وليس ما حدث ويحدث في عدد من دول العالم الثالث من اقتتال دائم واحتراب متواصل، حيث تقاتل الشعوب بعضها وتحفر قبورها بأيدي أبنائها، إلاَّ أن التعبير الصحيح عن مشاعر الارتياب التي يضاعف الفقر من وطأتها الفقر، وما يترتب عنه من تخلف في الوعي ومن غياب الشعور بالأخوة الوطنية والإنسانية هي في طليعة الأسباب، فضلاً على أن هناك عوامل أخرى خارجة ساعدت وتساعد على رفع درجة الارتياب بين المواطن وأخيه، لاسيما في تلك الأقطار التي تتعدد فيها المذاهب والأديان، وحتى في أقطار لا مذاهب لها ولا أديان كما هو الحال في بعض الدول الإفريقية، التي انتهت بها حالات الاقتتال إلى الوقوع في قبضة المجاعات التي أودت بالملايين.

إن من يقرأ الأحداث المؤسفة التي تحدث في بعض الأقطار ويتابعها بالصوت والصورة لا يجد مبررًا لتلك الأفعال إلاَّ أنها ناتجة عن ذلك المرض المسمى بالارتياب الجنوني أو جنون الارتياب، إضافة إلى وجود المحرّضين الذين يستغلون هذا المرض ويشجعون ضحاياه على القتل اعتقادً منهم - أي أولئك المحرضين - أنهم سيرثون الأرض بعد أن ينجح المتقاتلون في إبادة بعضهم بعضًا، وذلك مخطط قديم، قِدم حملات الغزو الاستعماري والتبشيري وما رافقها من ممارسات القتل بوصفه نوعًا من صيد البشر على غرار صيد الغزلان والوعول في الغابات والبراري الإفريقية المفتوحة على الشمس والهواء النقي، والغنية بالثروات المعدنية والزراعية.

لا شيء يمنع مرضى الارتياب من قتل بعضهم سواء كانوا في إفريقيا أو في آسيا، في الشعوب ذات التاريخ والحضارات البائدة، أو في الشعوب التي يبدو أن لا تاريخ لها ولا حضارات. وبالمقابل لا شيء يمنع مرضى الأطماع والحالمين بالسيطرة والتسلط على الشعوب من قتل كل من يقف في وجه تلك الأطماع. وتاريخ الإنسانية القديم كتاريخها الحديث الدامي يثبت مجموعة من الحقائق المذهلة. ويقدم الصورة بوضوح تام. وما الحروب المرعبة التي دارت في أراضي المتقدمين "والمتحضّرين" في النصف الأول من القرن العشرين، والتي ذهبت بعشرات الملايين، إلاَّ انعكاس لحالات مرعبة تجمع بين جنون الارتياب من ناحية وجنون المطامع والتنافس على المستعمرات الغنية من ناحية ثانية. وواضح أن لا حد لأطماع الغزاة وإن اختلفت وسائلهم وطرائق تحقيق تلك الأطماع.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الخطر الأكبر من وراء تزايد انتشار حالة الارتياب بين مواطني الأقطار العربية تبدأ من الارتياب في القيم الروحية. وما يصدر عن ذلك الارتياب الأساس من ارتياب في الصدق والعدل، والأخوة الوطنية والقومية، ومن ارتياب في حقائق الكون الثابتة التي ترفض الفوضى في التعامل، وفي التسميات والمصطلحات وذلك بعض ما وضع الأمة العربية في هذا المناخ من الضياع والارتباك، وجعل إنسان هذه المنطقة يفقد روح التعايش ويوشك أن يفقد قدرته على التمييز بين الخير والشر، بين العدل والصدق.

تأملات شعرية :
من إيقاع الجثث
الملقاة على أرصفة ناصلة
اللون،
ومن نار حريق يعصف
بالناس وبالأوطان.
أهربُ نحو الشعر
أمد له قلبي ويدي
وأقول لهذا العالم
لم يبقَ على وجه الأرض
أمان!