• كتاب المزوغي يركز على نقد فوكو صاحب الأقنعة المتعددة
  • المرة الوحيدة التي خرج فيها من جلدته الغربية عندما غطى الثورة الإيرانية
  • مشروعه الفلسفي والتاريخي تحقيق لرغبة نيتشه وسير في مساره
  • أصدقاؤه تيقنوا من هشاشة توازنه النفسي حينما أقدم على الانتحار
  • أدلة كثيرة تشي بأنه كان مختلاً نفسياً وعقلياً
  • كتابه عن الجنون الغربي دفاع عن اللاّعقل مقرون بمقولات نيتشوية

 


بقلم - جهاد فاضل:
عن الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو يكتب الأكاديمي التونسي محمد المزوغي أستاذ الفلسفة بالمعهد العالي للدراسات العربية والإسلامية بروما كتابا في إطار السلسلة الفلسفية بعنوان "فوكو والجنون الغربي".

وكتابه شديد الأهمية في كل ما يتعلق بهذا الفيلسوف الذي يحاط عادة بالتبجيل عند المثقفين الذين يُعنون بالفلسفة بوجه عام. فالكتاب يشكّل ثورة على التفكر في الطريقة المتساهلة التي تقبّل بها بعض المفكرين أطروحات فوكو، وتزكيتهم لها دون أن يختلجهم الشك يوما في أنها تفتح الباب أمام كل أصناف العدمية واللاعقل.

المزوغي يتحدث عن «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» وهو كتاب فوكو الذي يمسّ مجالات متعددة وقطاعات مختلفة مثل الفن والأدب والفلسفة وعلم النفس والتاريخ. ومواضيعه تتناول مفاهيم متفرقة كالموت والسجون وقيمة ملكة الخيال والتعامل الأخلاقي مع المرضى النفسانيين.

خلاصة تصوّر فوكو للجنون هي «أن الجنون لا يوجد إلا في المجتمع»، يعني أن الجنون ليس بخاصية أو كيان له وجوده الذاتي، بل هو من صنع الوسط الاجتماعي الثقافي. «الجنون في نهاية المطاف يترسخ في أشكال الوعي المتمظهرة في عصر ما والتي تجعل منه عنصراً غريباً عن جسمها وتقضي بعزله وإبعاده».

كثيرون انتقدوا فوكو في محاولته التأكيد على الترابط بين الجنون والموت، وهو أمر حمل الكثير من الباحثين على إبداء نوع من الامتعاض على هذا الترابط الذي يبدو مصطنعاً من وجهة نظر تاريخية ومتكلفا من وجهة نظر فلسفية.

نقد فوكو
كتاب المزوغي ينصبّ على نقد فوكو الذي لم يتحدث طوال حياته إلا عن الغرب (من موقف فرنسي): فالعقل غربي والجنون غربي والأركيولوجيا غربية، والتنوير غربي والأنتروبولوجيا غربية، لقد استحوذ على مقولاته ضمير (النحن) في جميع معانيه وصيغه الإقصائية. تاريخ الأفكار الذي اهتم به فوكو هو تاريخ متموقع في زمان مخصوص وفي ركن محدّد من خريطة العالم: أي أفكار الغرب وبالتحديد أوروبا، ليس هناك في كتابات فوكو ولو إشارة واحدة صريحة تدلّ على أن تحليلاته تمتّد خارج رقعتها الجغرافية، ولا وجود لكتاب واحد يتطرّق فيه لإشكاليات تهمّ الإنسانية جمعاء، أو تتجاوز نطاق حدودها الزمنية والجغرافية.

ليس هناك كتاب واحد، لأنه لو أقدم على عمل كهذا، لنقض نفسه بنفسه، ولتخلّى نهائياً عن مقولة المثقف الخصوصي التي هي أتعس ما خلقه لأتباعه. المرة الوحيدة التي خرج فيها فوكو من جلدته الغربية وحاول التطرق إلى مشاكل عالمية راهنة، قام بها كصحفي، لا كفيلسوف، وذلك عندما قام بتغطية أحداث الثورة الإيرانية، والنتيجة هي أنه أخطأ التقييم.

موقف المزوغي ليس هو الموقف العربي من فوكو وأطروحاته الفلسفية. وهو نفسه يلاحظ أن فوكو بالنسبة إلى كثير من المثقفين العرب هو مفكر من طينة أخرى. فهو بنظرهم الوحيد الذي استمع إلى صوت المكبوتين والمهمّشين. لقد استوعب فوكو -حسب رأيهم- الدرس النيتشوي وفجّر مكبوتات الخطاب الفلسفي فأصبح يستمع إلى لوغوس المكبوتين والمتهتكين والمجانين.

فوكو وإدوارد سعيد
وينقل المزوغي آراء عدد من المفكرين العرب بأطروحات فوكو، من هؤلاء إدوارد سعيد الذي كتب مرة: «أعتقد أن من الصحيح القول إن أعمال فوكو لا تترك أي قارئ إلا وتؤثر فيه أو تبدّله، وذلك لسببين الأول هو أن كل كتاب كان بالنسبة إليه تجربة في الانغماس وسجن الذات داخل «تجارب محدودة» مثل الجنون والموت والجريمة، أما السبب الثاني فهو أن أعماله كُتبت في سلاسل: الأول يترك مشكلات مفتوحة يعتمد عليها الكتاب الثاني الذي يستدعي بدوره كتابا ثالثا، بحيث كانت كلها متشابكة ومتقاطعة.

وحتى أولئك القراء الذين خلّف في نفوسهم درجة من النفور، بلغت حدّ الاشمئزاز، كانوا يشعرون أن إلحاح حجته ظل شديداً إلى حدّ ترك انطباع دائم في مختلف الأحوال.

باحث مذهل
ويضيف إدوارد سعيد: إننا حينما نقرأ فوكو، ترد إلى الذهن مشكلات وسائل عديدة، غير أن شيئا واحداً لا يرقى إليه الشك أبداً هو أن فوكو كان باحثاً مذهلاً، ورجلاً تقوده المعرفة التي لا تكلّ.

ويشيد إدوارد سعيد بكتاب لفوكو يحمل عنوان «حيوات رجال شائني السمعة»، وهو حول مجموعة من سجلات الحبس في القرن الثامن عشر، عن رجال ونساء أُدينوا بجرائم مروعة مثل قتل الأطفال وأكل لحوم البشر والسفاح وتقطيع الأوصال.. هذه السير المصغرة، يقول فوكو، هي «حيوات منفردة تحولت إلى قصائد غريبة بمشيئة أقدار لا يعلم أحد كيف وقعت، هي ما قررت أن أجمعه على نحو أشبه بجمع رزمة من الأعشاب الجافة».

معاداة العقلانية
يحمل محمد المزوغي على فوكو فيرى أن النقاد الذين تفطنوا إلى أن السمة المميزة لتفكيره هي معاداة العقلانية والتشكيك في الروح الوضعية والأنوار، لم يتجنوا عليه. فكتابه عن الجنون الغربي الذي نحن بصدده هو دفاع عن الجنون، عن اللاّعقل، مقرون بمقولات نيتشوية واضحة. أما أسلوبه في الكتابة وطريقته في التعبير فهي مخاتلة من حيث الجمع بين التدقيق وإثارة الوجدان.

فبالنثر ذي الطلاء الأدبي يحصل على ما يصبو إليه، أي يروي ويدين في الوقت نفسه.
لكن المرمى الأساسي لفوكو هو إعادة اعتبار اللاعقل بإحياء أساطير التراجيدي، ثم التقليل من شأن العقلانية، بل واتهامها بالقهر والتسلط خصوصاً في عصر الأنوار، وقد تفطن المؤرخون والفلاسفة إلى هذه الأغراض المبيتة بحيث أن تحليلاته بدت للبعض منهم وكأنها مسكونة بتوتر عدمي، باللذة في التضليل الفكري، بالنزعة لقلب كل القيم. لقد تمت ترقية العنصر الباتولوجي والمنحرف الذي يقوّض الحياة الاجتماعية إلى رتبة بطل عصر التنوير، ليس كما لو كان وجهه الآخر أو عنصر مقارنة بالنسبة إلى القاعدة، بل كهروب من الهيمنة القمعية للعقل، كبديل للتحرر: من هنا الاهتمام بالآلام التي عاناها المجانين، بثورة المجرمين، بتهور المهمشين.

فوكو وديكارت
من هنا نفهم كيف يصوّر فوكو تاريخ الطب الغربي المعاصر على أنه تاريخ تهميش واضطهاد. فهو لا يكف عن ترصّد أي لحظة تاريخية تقدمية لكي يجهز عليها أو يقلل من شأنها. وهو يؤكد على أن التقدم المزعوم في مجال العلاج النفسي ليس إلا تقهقراً: عصر النهضة أعاد للجنون صوته لكنه تحكم في مصادر عنفه، أما العصر الكلاسيكي فقد جاء ليسكته بقوة، الفيلسوف العقلاني ديكارت صنف الجنون في خانة الحلم وكل أشكال الخطأ. الجنون، حسب تأويل فوكو لديكارت، مقصي عند الذات التي تشك، كما سيكون من المستحيل ألاّ تفكر هذه الذات أو تكون متعددة الوجود، لقد حصّن العقل نفسه ضد الجنون، وزال خطره من الممارسة العقلية.

أهمية كتاب «تاريخ الجنون» عند فوكو لا تكمن في الحقيقة التي قدّمها بل في التأثير السياسي الذي أحدثه، وفي تغيير نظرة الناس لتجربة الجنون. وطبقا لهذا الطرح، فإن الحقيقة تأتي في مرتبة ثانية أو ثالثة، ومكان الصدارة للجانب العملي المصلحي، لكن هذا التقييم لا يوافق تماماً مجرى الأحداث. فكتابه أصبح بيانا تأسيسياً عند مناهضي الطب النفسي لأن مغزاه وهدفه هو الإجهاز على أية مقاربة علمية للظواهر النفسية، وخصوصا لظاهرة الجنون.

الجنون في العصر الكلاسيكي يبدأ حينما تشوّش علاقة الإنسان بالحقيقة. انطلاقاً من هذه العلاقة الغامضة تبرز ملامح جديدة، الجنون برأي زاكياس يتمثل في عدم قدرة العقل على التمييز بين الخطأ والصواب.

الخطابة الأدبية
في مقابل هذه الظلمة التي تلحق اللاّعقل، أو الجنون، والنظرة التي تجمعه بالحلم والخطأ، هناك نظرة أخرى ترى فيه مجرد عقل منبهر.

لوصف هذا الانبهار، يعمد فوكو لاستخدام الخطابة الأدبية ذات النفح العرفاني: «الانبهار هو الليل في واضحة النهار، الظلام الذي يسود في قلب النور في حالاته القصوى، العقل المنبهر يفتح الأعين على الشمس ولا يرى أي شيء، أو لا يرى، إن تراجع الأشياء نحو عمق ليل يلازمه في حالة الانبهار، له ملازم مباشر هو القضاء على الرؤية ذاتها. ففي اللحظة التي يرى فيها الأشياء تختفي في الليل السري للنور، فإنه يرى نفسه في اختفائها».
ليس هناك من المفكرين المعاصرين من استخف بقواعد المنطق وازدرى المنهجية العلمية والكتابة الفلسفية المنسقة والمنسجمة إلا نيتشه.

فوكو هو من أحباء نيتشه ومن أتباعه، ويبدو أن مشروعه الفلسفي والتاريخي هو تحقيق لرغبة نيتشه وسير في مساره. ولكن نيتشه، حتى وإن صدم هذا الكلام أحباءه، لم يكن فيلسوفا منهجياً صارماً، ولم يعدّه كذلك فلاسفة عصره الذين تجاهلوه ولم يعيروه أية أهمية.

نيتشه كاتب «حِكَم» ورجل غاضب على عصره وعلى رجاله وعلى سلطاته الروحية والسياسية، وله ضربات عشوائية أرادت أن تهشم هنا وهناك، ولكن نقده لم يكن ممنهجا ولا كان متواصلاً على خط واحد، يمكن أن نعثر في كتاباته على الأطروحة ونقيضها، وفي بعض الأحيان يصل كلامه المشبع ألغازاً وخطابة إلى السباب والشتم.
وهذه عادة سيئة جدا في الكتابة وفي الإنتاج ككل، ويمكن أن تؤدي بالفلسفة إلى حالة من الضمور والتفسخ لا مثيل لها، وفعلا على أيدي رجال من أمثال هيدجر وفوك ودولوز وآخرين من اتباع نيتشه، فإن الفلسفة يمكن أن نعتبرها قد استنفدت طاقاتها الحيوية التي أبقتها على الوجود لمدة ألفين وخمسماية سنة، ولم يبق منها إلا حثالة هذيلة من الالتواءات اللغوية والألغاز الشعرية والخطابة الرنانة.

صاحب الأقنعة المتعددة
فوكو صاحب الأقنعة المتعددة والمتغيرة باستمرار: قد يكون هذا الحكم غير مجحف في حقه وقد لا يستفزه أصلاً، لأن الرجل يشرّع له فكريا ويتبناه على المستوى النظري.

لقد كتبت مقالات وألفت كتبا عن حياة فوكو، منها ما اعتنت بالخطوط العامة لمساره الفكري، تاركة في الغموض حياته الشخصية، ومنها ما ركزت على التفاصيل، وأوردت جزئيات محرجة ومربكة جداً، مسلطة الضوء على مناطق لم يقع التطرق إليها بشكل معمق، من بينها مثلاً توجهاته الجنسية وعشقه للعذاب والانتحار!.

هذه المعلومات تناولها بشيء من التفصيل مؤرخ حياته ديديه إريبون من خلال شهادات معاصريه والوثائق المتبقية. وتحدث عنها أيضاً ميللر في كتابة عذابات فوكو مضيفاً معطيات جديدة خاصة بالفترة التي قضاها في أمريكا.

تصرفات مشاكسة
ذكر إريبون أن فوكو، منذ فترة شبابه، كانت لديه تصرفات شاذة عنيفة ومشاكسة مع أقرانه في المعهد، توازنه النفسي هشّ للغاية، وقد أقدم على محاولات انتحار باءت بالفشل. كان ينغلق في وحدته ولا يخرج منها إلا لكي يمتهن الطلبة. يسخر منهم بشراسة أصبحت مشهورة بسرعة. كان يتخاصم مع الكل، يغضب، ويُسرح دون لجام عنفه الشديد الممزوج بنزعة حادة من الكبرياء، يستعرض مهارته وعبقريته.

وعوض أن ينال إعجابهم صار موضع كراهيتهم، أحد الأساتذة بينما كان ماراً وجده جاثماً في إحدى قاعات التدريس وقد شرخ صدره بموس.

ومرة أخرى وجدوه يجري وراء أحد أقرانه وبيده خنجر. أصدقاؤه تيقنوا من هشاشة توازنه النفسي حينما أقدم على الانتحار سنة ١٩٤٨.

محمد المزوغي يعلق على ذلك بالقول: «لا أدري هل أن هذه الصورة التي رسمها كتاب سيرته صحيحة أم لا، فقد تكون مجرد مبالغة أو بحثاً عن الناشز في الشخصية»، وهو يشك في أن يصبح صاحب مثل الشخصية إحدى أعظم الشخصيات الفلسفية للقرن العشرين، لكن هذه الشكوك حول مدى مصداقية كتاب سيرته يجب أن تصمت أمام شهادات فوكو الشخصية واعترافاته الصريحة.