بقلم - عبد الله فريتح :

عجباً لأمر الأمة العربية والإسلامية، يُبثُّ في ديارها وبلغة أهلها -عبر وسائل الإعلام والتواصل الحديثة- ما يؤكد ويثبت اجتماع الأمم الأخرى عليها إضعافا وسيطرة، وتقابلُ ذلك بفُرقة وتشرذم وتناحر وكيد في ما بينها، ها هي القارة العجوز أوروبا خلُصت بعد قرون من التناحر والشحناء، وأنّ قوتها تكمن في التعايش بين شعوبها والالتفاف حول المتفق عليه بينها، ونبذ المختلف عليه قدر المستطاع، فاجتمعَ أعداء الأمس -وهم من أجناس وأديان مختلفة- تحت راية واحدة وعملة واحدة ومصير مشترك، وما تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منا ببعيد، والذي انطفأت فيه نيران التمييز العنصري والحروب الأهلية وغَسلَ ماءُ الاتحاد الأحقادَ الهدامة والنعرات الجوفاء، لتولد أقوى دولة في عصرنا الحاضر، لكنّ صلة الدم والمصاهرة والأخوة بين أبناء وبنات الأمة لن تنقطع أبدا، بل تزداد تماسكا وقوة كلما حلت بهم نكبة أو نكسة، ومهما شُرّعت قوانينُ ظالمةٌ محاصرةٌ لتواصلهم وأحاسيسِهم ستضمحل أمام شريعة ربهم التي جمعتهم بالمودة والتناصح، فلا سبيل لنخر جسد أمتنا الواحدة، وستبوء كل محاولة غادرة للنيل منها بالفشل ولن تحصد إلا الفضيحة والعار أمام العالم كله. التعاون هو دستور الجيران، والدفع بالتي هي أحسن بالتحاور والتشاور هو المخرج من كل ضائقة، والخبرات المتعاقبة للدول والمجتمعات في حل النزاع اضطرتها لتقديم مصالح شعوبها، لذلك قد آن الأوان لتعلو بشريات التصالح بين الجميع، وتُخمد ألسنة التباغض، وتُبكم أبواق التحريض والتشنيع، فالعيون شاخصة لخطاب الصدق، والآذان صاغية لدعاة الحق، والقلوب عطشى لعودة المياه العذبة لسالف مجدها.

والأوْلى بأمة إلهُها واحد وكتابها واحد ورسولها واحد ولغتها واحدة، أن تضرب أروع الأمثلة وأفضلها على مر التاريخ -كما فعلت من قبل- في التوحيد والتآزر والتآخي، وتكون قدوة لغيرها في احترام الإنسان وبناء الأجيال الصالحة، تعمرُ الأرض بالإنتاج الفكري والمادي، وتنشرُ السلام والرحمة بين العالمين.