افتقار لأبسط الاحتياجات الأساسية ويتعرضون لتهديدات مستمرة

ترجمة- كريم المالكي:

كانت عيون «جهانجير باروش» البنيّة غائرة وتائهة، لقد أمضى ليلة أخرى بلا نوم في حاوية معدنيّة في جزيرة ليسبوس اليونانيّة، وهو المكان الذي يعيش فيه منذ أكثر من عام. يقول باروش «26 عاماً» حيث يقيم في مركز للاجئين، بعيداً عن مخيم الاحتجاز في موريا: لم تكن هناك كهرباء في الحاوية الليلة الماضية، كانت أشبه بثلاجة. ويضيف باروش، الذي جاء من بلوشستان، في باكستان: إذا كنتم لا تريدونني، فأريد الذهاب إلى أثينا أو إلى أي بلد آخر. فلماذا أنا هنا إذن؟

تبدو شواطئ جزيرة ليسبوس شبه مهجورة مقارنة بأوج أزمة اللاجئين في أكتوبر 2015، أما حالياً، فلا تشهد الجزيرة سوى قدوم بعض عشرات اللاجئين كل أسبوع، ومن فيها منذ مدة طويلة أصبحوا لاجئين منسيين لكنهم لم يفقدوا الأمل بالوصول إلى العالم الآخر. ومع ذلك صاروا يطرحون السؤال نفسه الذي يطرحه باروش، رحّلونا إذا كنتم لا تريدوننا. لقد حدث ذلك الإهمال، بعد عامين من توقيع الاتحاد الأوروبي وتركيا اتفاقاً لقطع طريق بحر إيجه على طالبي اللجوء، ممن دفعتهم الحروب في سوريا والعراق وأفغانستان إلى الهجرة. منذ ذلك الحين، ظل الآلاف عالقين في ليسبوس، غير راغبين في العودة للبلدان التي غادروها، وغير قادرين على التحرك إلى الأمام، نحو ما يأملونه في الوصول إلى أوروبا.

ورغم تناقص أعداد المهاجرين، إلا أنهم يواصلون المجيء.

ظروف بائسة

ويتم نقل المحظوظين الذين تُقبل طلبات لجُوئهم إلى البرّ اليونانيّ، أما من تُرفض طلباتُهم (يمكنهم التقدم بالطلب لمرتين) فيتم إعادتهم إلى تركيا. لكن لا يبدو أن أياً من البلدين لديه دافع كبير لقبولهم. وتقوم السلطات اليونانيّة بفحص حالاتهم ببطء، لعدّة أشهر في كل مرّة، حيث يعيش طالبو اللجوء في حالة من الغموض والبؤس شبّهها البابا فرنسيس بمعسكر اعتقال. ويمكن قياس حجم أزمة الهجرة التي جلبتهم إلى ليسبوس عبر أكوام سترات النّجاة المتروكة في الجزيرة. لقد احتجز حوالي 5500 شخص في موريا بزيادة 2500 شخص عن طاقته الاستيعابيّة. ووصف الناس الظروف البائسة التي يعيشون فيها، حيث يجتاح المطر الخيام، ونقص في الكهرباء والماء الساخن في الحمامات، حتى في الشتاء، ومراحيض عامة قذرة، والطعام سيّئ، وغالباً ما يَنفَد، والطوابير طويلة للحصول على أي شيء، وتندلع معارك باستمرار بسبب ذلك، ومن بين التهديدات المستمرة العنف والسرقة والاغتصاب.

معاناة متعددة

أحياناً يقوم الرجال بتقطيع الخشب وإشعال النار في خيامهم في محاولة للتدفئة، مما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص في موريا العام الماضي. ويقول أمير علي «27 عاماً»، من هيرات في أفغانستان، عاش في موريا لأكثر من 11 شهراً: حتى لو كنت بصحة جيّدة، في مخيّم موريا ستواجه مشكلة. هذا ليس مكانًا لعيش الناس فيه، ولا تستطيع الشرطة السّيطرة على المخيّم. وبعد أن غادره عثر على وظيفة كعامل منزل، واستأجر منزلاً في ميتيليني، عاصمة ليسبوس، حيث اختار البقاء، إلى أن قُبل طلب لجوئه.ووضْع آخرين من قبل الدولة بمخيم مؤقت، ليس أفضل بكثير، على حافة موريا، في بستان زيتون. ويعيش علي زيد، وهو عراقي من بابل، في مخيم مؤقت منذ أكثر من 5 أشهر. هرب من العراق بسبب داعش بعد مقتل شقيقه. وحينما كان يقوم بالاستحمام في الهواء الطلق والجو شديد البرودة في بحر إيجه في فصل الشتاء صرخ بأعلى صوته «الجو بارد جداً».

المخيّمات.. خطورة وأسرار

وصف سمير الجابر، مهندس عمره 26 عاماً من العراق، المخيّم المؤقّت بأنه «مكان خطير للغاية». وقال إنه شاهد داعش يعدمون أباه وأخاه وشهد العديد من عمليّات القتل الأخرى قبل هروبه من العراق، لكنه اعتبر الحياة في المخيم إضافة أخرى إلى صدماته، وليس بالمكان الجيد.

ينام سمير مع أغلى ممتلكاته - الهاتف والمال والسجائر- حيث يحشرها جميعها في جيوبه، لتجنّب السرقة أثناء نومه.

وبدأ الشعور بعدم الأمان المستمر يتلاعب بأعصابه، ولخشيته على صحته العقلية ذهب إلى طبيب المخيم. قدّم أوراقاً باللغة اليونانيّة أدرجت فيها أعراضه، «مزاج عصبي وتفكير متكرر بأحداث صادمة، وهلوسات سمعية؛ وأرق وكوابيس، واضطراب الذاكرة وعزلة اجتماعية؛ ومحاولة انتحار فاشلة». وجاء التشخيص: اضطراب ذهاني، غير محدد واضطراب ما بعد الصدمة لكنه دون فائدة بالنسبة له.

أفضليّة نسبيّة

وللبقاء على قيد الحياة، حاول البعض بناء روتين يومي لعيش حياة طبيعيّة. فخليل الأفغاني، الذي عمره 13 عامًا، يعيش في كارا تيبي، وهو أيضًا مخيّم آخر للاجئين في جزيرة ليسبوس. يركب هو وأصدقاؤه درّاجاتهم ويذهبون للصيد على طول الشاطئ لقتل الوقت.

أما في الترتيب الدوليّ للجوء، فيتاح للسوريّين والعراقيّين وفي بعض الأحيان الأفغان الفرصة الأفضل لأن بلدانهم في حالة حرب نشطة. ومع ذلك، لن يكون ذلك للجميع، فسرعان ما يُفصل بين الأصدقاء. وبالنسبة للنساء في مخيم موريا، غالباً ما يكون الوضع أسوأ.

وضع أصعب على النساء

امرأة عمرها 30 عاماً من أفغانستان، رفضت نشر اسمها خوفاً من مطاردة زوجها السابق، وصفت كيف أنها فرّت من أفغانستان منذ عام ونصف العام، عندما حاول زوجها الذي عمره 13 عاماً قتلها. وفي تركيا، قالت إنها بيعت إلى مهرب، سجنها في غرفة بدون إضاءة، وظل طوال أسبوع لا يقدم لها أي طعام ويعتدي عليها. وعندما وصلت في النهاية إلى موريا، ساءت الأمور. وقالت: أردت قتل نفسي عندما رأيت الوضع. في البداية، لم يكن لها مكان في الأقسام المكتظة التي تفصل النساء غير المتزوجات عن الرجال، وأجبرت على النوم في خيمة مع رجال ونساء. في إحدى الليالي، فقدت طريقها في الظلام ووجدت نفسها في غابة موريا حيث سقطت بيد رجل اعتدى عليها. وبعد أن قدمت شكواها إلى الشرطة، أعادوها إلى موريا. وقالت: «أردت قتل نفسي».

الاعتراف بالواقع البائس

اعترف جيانيس مالبباكايس، مدير مخيم موريا، الذي تديره اليونان ولكن بتمويل كبير من الاتحاد الأوروبيّ، بالتحدّيات التي يواجهها هو وفريقه وأصرّوا على بذلهم قصارى جهدهم، رغم الظروف الصعبة. وقال: نحن نحاول جدياً مساعدة هؤلاء الناس؛ نحن لسنا غير مبالين. واعترف بأن الاكتظاظ مشكلة كبيرة بالنسبة لنا. إن مخيّم موريا للاجئين من أكثر الأماكن اكتظاظًا في العالم، إذا قسمت عدد الأشخاص الذين يعيشون هنا على كل متر مربع. ومع ذلك، من المتوقع أن تزداد أعداد اللاجئين القادمين لليونان مع ارتفاع درجات الحرارة. إن المعالجة البطيئة للحالات تقلل من عدد السكان في المخيمات، في حين أن قلة الوافدين الجدد تجدّدها.

الموت والحرية

وتكشف القبور في الجزيرة، القديمة والجديدة، مخاطرة عبور البحر، فكثيراً ما انقلبت القوارب وجنحت. رجال الإنقاذ يقومون بدوريّات في السواحل حتى الآن. ويقول ميلتوس أوكومونيديز «موظف ممثل الاتحاد الأوروبي»: نحن بحاجة لزيادة تدفق المهاجرين من اليونان إلى تركيا، وتقليل التدفق من تركيا إلى اليونان، منذ يناير، تم إرجاع 64 شخصًا فقط إلى تركيا. ومع ذلك، وصل 2698 شخصًا للجزيرة التي عدد سكانها 86 ألف نسمة. وقد نقل 2365 مهاجراً آخرين إلى أثينا، بينما غادر 147 لاجئاً ليسبوس طواعية. يوجد حالياً أكثر من 800 7 لاجئ في جميع مناطق ليسبوس. ويقول أوكومونيديز: بغض النظر عن الجهود الجارية في مخيّم موريا، فإن الهدف هو تقليل تدفق اللاجئين، لكن ذلك سيبقى صعبًا خصوصاً وأن البعض لا يهرب فقط من الحرب بل إنهم يبحثون عن الحريّة.

عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية