دانا ربيع التابعي

تعوَّدنا على مر الأزمنة أن تظهر عادات وتختفي أخرى، ومع تطور التكنولوجيا انقسم الناس بين من استخدمها بالشكل الصحيح، و من أفرط في التعامل معها لدرجة قطعته عن محيطه الخاص، فأصبح بعض الأبناء يجلسون مع الآباء على نفس الأريكة، ولكن لكل منهم عالمه المنفصل في هاتفه الخاص، وكذلك الأم مع بناتها كل منفصل باهتماماته خارج النطاق الأسري وهذا أدى إلى تفكك الترابط الاجتماعي ، فقد تظهر نتيجة الثانوية العامة للابن فتعرفها الأسرة من الموقع وتهنئ الناجح على الواتساب وتكون الاحتفالية على الفيس وليس ببعيد صور الهدايا على الإنستجرام.

وهناك بعض الشباب تجلس معه فتجده آذانا مُصغية لك، ولكنه لا يجيد إدارة الحوار وفتح أفق للنقاش وقد تجلس في انتظار الموعد بالمشفى فتلقي السلام على الموجودين فلا تجد ردًا منهم، فكل منهم قد طأطأ رأسه إلى هاتفه.

وهنا يطرح السؤال نفسَه: هل نشعر بذاتنا في محطينا الافتراضي أكثر من محيطنا الواقعي؟ أم أننا من صَنعْنا هذه الهالة الكبيرة حولنا؟! والإجابة هنا أننا لو نظرنا للغرب صاحب هذه الاختراعات القيّمة سنجد أن أغلب استخدامهم لها لا يكون إلا فيما ينفعهم، فمثلا ستجده يفتح جهازه المحمول ليقرأ كتاباً أو يحضر مادة علمية أو يطالع ما يزيد من حصيلته الفكرية والثقافية وتواصلهم عبر المواقع الاجتماعية ليس بهذا الإفراط المبالغ فيه بمجتمعنا.

إذنْ فالعيب ليس في المواقع ولكن في طريقة استخدامنا لها، فهي وجدت للتواصل الاجتماعى وزيادة الترابط بيننا وليس الانفصال عن أسرنا وأصدقائنا والتقوقع داخلها وفقدان دفء العائلة والحث عن الذات عبر الشاشة وإيجاد علاقات إلكترونية فقط وهذا بخلاف الآثار الجانبية الصحية لذلك فقضاء أغلب الأوقات على الأجهزة اللوحية والمحمولة قد يؤدي إلى اضطرابات في النوم وعدم وضوح الرؤية والصداع والوحدة والانعزالية والاكتئاب والانطواء الفكري، بالإضافة إلى الفشل على صعيد الحياة الاجتماعية والدراسية.

الاستخدام المفرط والخطأ للتكنولوجيا يهدر الوقت والصحة، قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، والتخلص من هذا الإدمان ليس بالشيء المستحيل لكنه يحتاج للإرادة والعزيمة، بالإضافة لمراقبة الذات ولتغيير نمط استخدامه الخطأ: احسب الوقت الذي تقضيه أمام هاتفك، ابدأ تدريجيا بتقليل عدد ساعات استخدامك للهاتف، أعد تواصلك الاجتماعي المباشر مع الأقارب والأصدقاء، بدّل التطبيقات غير الهادفة بأخرى مفيدة، اختر لك هدفًا واعمل على تحقيقه وابحث عمَّن يحفزك على النجاح، شجع نفسك على أن تكون عضوًا فعالاً في مجتمعك، لك بصمة وأثر واضح على أرض الواقع.

وعلى جانب النشء الصغير فعلى الوالدين أن يكونا قدوة حسنة لأبنائهم، وألا ينشغلا بالهاتف أمامهم بل يشاركونهم مواهبهم ولعبهم وتحديد أوقات لا يستخدم فيها الجوال مثل أوقات الطعام والمذاكرة والرياضة وهذا من شأنه تحجيم مدة استعماله بالإضافة لإيصال أهمية الوقت للطفل واستثماره الجيد من خلال ضمهم للمخيمات والفعاليات الهادفة التي من شأنها أن تنمي الطفل وتصرفه عن إدمان الألعاب الإلكترونية.

كثيرون لديهم الرغبة في التخلص من هذا الإدمان المدمر، ولكن ينقصهم الدافعية والإقدام على ذلك فعقولنا ليست أسيرة للمحمول، ولكنه هو من يخضع لتحكمنا فيها وقتما أردنا ذلك، فكل دقيقة تمر لن تعود، فلتكن في النافع وليس فيما لا طائل منه، فنحن في نعم ننسى قيمتها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) .