برلين - الراية : ثلاثة انتخابات مقررة هذا العام في أوروبا، أجمع المعلقون السياسيون على أن كلاً منها سوف يؤثر على أوروبا وهي تواجه أزمة صعبة، بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واحتمال أن يتبعها آخرون. فبالأمس القريب احتفل الأوروبيون بمرور ستين عاماً على التوقيع على معاهدة "روما" التي قادت إلى تأسيس "السوق الأوروبية المشتركة" ثم "الاتحاد الأوروبي" بعد توسعها عقب انهيار الستار الفولاذي الذي كان يقسم أوروبا إلى قسمين، أحدهما محسوب على الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني محسوب على الاتحاد السوفييتي.

وبعد أن تنفس مؤيدو الوحدة الأوروبية، الصعداء، عقب فشل الشعبويين في هولندا في الفوز في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، عاد هؤلاء لينتظروا بحذر شديد، نتائج انتخابات الرئاسة في فرنسا، مع احتمال فوز الشعبوية "مارين لوبان" زعيمة حزب "الجبهة الوطنية" بمنصب رئيس البلاد، رغم محاولة الاشتراكيين والمحافظين التأكيد على أن جميع منافسيها متفقون فيما بينهم على تفادي فوزها في الجولة الثانية، لما سوف يسببه ذلك من كارثة لفرنسا ولأوروبا.

مارين لوبان

واستلهمت "لوبان" الكثير من تفاؤلها بالفوز، من فوز دونالد ترامب، بمنصب الرئيس الأمريكي، ويرفع حزبها شعارات معادية للاجئين والإسلام. فلأول مرة في تاريخ الجمهورية الفرنسية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، اقترب الشعبويون من منصب رئيس الجمهورية، بشكل غير مسبوق، مستغلين حالة اليأس التي يعاني منها الفرنسيون بسبب ضعف الرئيس الراهن، فرانسوا أولاند، وتهم الفساد ضد بعض منافسيها، مثل فرانسوا فيون، مرشح "الجمهوريين"، الذي تم اتهامه بمنح زوجته رواتب عالية في الماضي من خزينة البرلمان، ما أسفر عن التشكيك بنزاهته، واحتمال أن ترافقه هذه التهم إذا فاز بمنصب الرئيس. أما الانتخابات الهامة التي تجري هذا العام، فسوف تشهدها ألمانيا في 24 سبتمبر القادم، غير أنها لن تشكل خطراً على مستقبل الاتحاد الأوروبي إلا إذا فاز حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي بالأغلبية الساحقة، وهذا مستبعد، بينما الصراع على السلطة في برلين، يدور بين ميركل، مرشحة الاتحاد المسيحي، ومارتن شولتس، مرشح الاشتراكيين الألمان، وكلاهما يؤيدان الوحدة الأوروبية، فحين يرى البعض ميركل، الزعيمة الخفية للاتحاد الأوروبي، فإن شولتس، شغل منصب رئيس البرلمان الأوروبي.

اليمين أو ماكرون؟

 وترى ناتالي نوجايريد، كبيرة المحررين في صحيفة "لوموند" الفرنسية المعتبرة، في مقال تحليلي نشرته مجلة "إنترناسيونالي بوليتيك" الصادرة عن الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية في برلين، أن ما يميز الانتخابات الفرنسية في ربيع 2017، هو أن الناخبين يقفون أمام خيارين: إما اختيار اليمين، بتأييدهم "مارين لوبان"، وبذلك يعبرون عن ميولهم إلى اليمين المتطرف الشعبوي، وإما يتفق الجميع على تفادي فوزها بأي شكل من الأشكال، واختيار الأوفر حظاً، الشاب إيمانويل ماكرون، المؤيد للاتحاد الأوروبي والذي تتهمه المعارضة الفرنسية بالولاء للمستشارة الألمانية، بسبب تأييده لنهجها لسياستها الأوروبية.

ومع اقتراب موعد الدورة الأولى من انتخابات الرئاسة في فرنسا، لا بد من التنويه إلى انعكاسات نتائجها على مسلمي فرنسا ثم مسلمي أوروبا. فالشعبويون في أوروبا، ينظرون إلى مارين لوبان، على أنها زعيمتهم بدون منازع. لكن هذه الزعامة سوف تصبح موضوع تساؤل إذا فشلت في الفوز بمنصب الرئيس الفرنسي. ولكن إذا فازت، فسوف تكون العواقب وخيمة على المسلمين في فرنسا وأوروبا، لأن لوبان، سترمي العقبات تلو الأخرى أمام حياة المسلمين في فرنسا وأوروبا. وتجدر الإشارة إلى أن المسلمين جاؤوا في البداية إلى فرنسا، نتيجة لحرب الاستعمار الفرنسي وانتشاره في الجزائر والمغرب، وبدأوا كقوى عاملة بسيطة، مثل سائر المسلمين في ألمانيا وبريطانيا. وحتى اليوم تم تعيين وزيرتين في حكومة فرنسية، لكنهما للأسف لم تلفتا الأنظار. لذلك فإن إدماج المسلمين في فرنسا والاتحاد الأوروبي ما زال ضعيفاً، لعدم حماس المسلمين في هذه البلدان على المشاركة في العملية السياسية.

مخاوف الفرنسيين

وحددت نوجايريد، أبرز ثلاثة مخاوف تُقلق الفرنسيين في المرحلة الحالية: الخوف من تأثيرات العولمة، ومنها تدفق اللاجئين إلى أوروبا، والخوف من فقدان هويتهم القومية، ثم الخوف من خسارة نفوذ بلادهم على مسرح السياستين الأوروبية والدولية. وحاول الرئيس أولاند، إبراز أهمية دور فرنسا في العالم، بحكم أنها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وتجلس منذ تأسيسه في "نادي الكبار"، خلافاً لألمانيا التي أصبح الكثير من الفرنسيين الذين نسوا العداوة مع هذا البلد، ينظرون إلى ألمانيا، بسبب قوتها الاقتصادية، بأنها نموذج يحتذون به، كما عبروا عن إعجابهم بالمستشارة الألمانية ميركل وهم يفضلونها على رئيسهم الاشتراكي. فقد أوقع أولاند نفسه في فخ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، عندما حاول طرح مبادرة لإنهاء النزاع الفلسطيني/ الإسرائيلي، لكن نتنياهو رفضها وأجهضها. وفشل أولاند في تحقيق وعده للفرنسيين بالرد بحزم على تنظيم داعش، عندما دعا للانتقام من التنظيم رداً على الاعتداءات الإرهابية التي نفذها التنظيم في فرنسا.

لماذا العداء ضد الإسلام؟

وتشهد فرنسا خلافات عميقة بين كافة فئات المجتمع، الكبار ضد الشباب، الموظفون ضد العاطلين عن العمل، سكان القرى ضد سكان المدن، السكان المحليون ضد المهاجرين. وبينما يشعر الكثير من المواطنين الفرنسيين بسلبيات العولمة، والأزمة الاقتصادية، والإرهاب، فإن حزب "الجبهة الوطنية"، يستغل نقمة المواطنين لكسب أصواتهم وتحقيق أهدافهم السياسية، دون أن يقدم حلولاً عملية للمشكلات القائمة، والاكتفاء بتعبيره عن رفض المؤسسات السياسية القائمة ورفع شعارات معادية للأجانب وخاصة اللاجئين والإسلام. ففي عملية استقراء للرأي جرت في يناير الماضي، اعتبر 64 بالمائة من الذين شاركوا في الاستفتاء أن "الإسلام" يشكل خطراً على فرنسا، بينما قال 55 بالمائة أن الهجرة تعتبر مصدراً لإثراء الثقافات المتعددة في فرنسا. وتجدر الإشارة إلى أن الاستفتاءات التي تؤثر على سمعة المهاجرين في أوروبا، تكون سلباً عندما تجري بعد وقت قصير على وقوع اعتداءات إرهابية.

البريكسيت الفرنسي

وتبلغ "مارين لوبان" 48 عاماً من العمر، وهي مصممة على الفوز بمنصب الرئيس الفرنسي، وتستفيد من الفضائح ضد منافسيها، لكن تقربها مؤخراً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد ينعكس سلباً عليها، بسبب نهجه المثير للجدل.

ويتوجه الناخبون في فرنسا إلى صناديق الاقتراع للاختيار بين اليمين المتطرف وبين "منقذ الديمقراطية" يوم 23 أبريل، ثم يوم 7 مايو.

وتعتقد نوجايريد، أن الكثير من الناخبين الفرنسيين، حتى الذين لا يوافقون على أفكار ماكرون، قد يصوتون لصالحه، لتفادي فوز لوبان بمنصب الرئيس الفرنسي، هذا إذا فكروا ملياً بعواقب فوزها على مستقبل فرنسا ومصير الاتحاد الأوروبي، لأن لوبان، وعدت في حال فوزها بالمسارعة لتقديم طلب انسحاب بلادها من الاتحاد الأوروبي، وسيكون ذلك ضربة موجعة للاتحاد ونهاية المحور الألماني/ الفرنسي، الذي تأسس في عهد الرئيس الفرنسي شارل ديجول والمستشار الألماني كونراد أدناور، ووضع بداية جديدة لعلاقات البلدين بعد الحرب والعداوة، وكان حتى وقت قصير، محرك الاتحاد الأوروبي.