بقلم / جورج علم - كاتب لبناني : 

ينسحب الروسي، أم يتموضع؟، في الحالين، هناك انعطاف في المشهد السوري، لا بل الإقليمي، قد تظهر تداعياته تباعاً، لكن لا بدّ من معرفة حجم الانسحاب أولاً، والخلفيات المتصلة به، ذلك أن الرئيس فلاديمير بوتين عندما تحدث عنه، تكتّم حول حجمه، والمدّة التي قد يستغرقها، خصوصاً أنه يتزامن مع انطلاقة معركة درعا، وبداية عودة النازحين من لبنان، والحديث عن مكان وزمان انعقاد القمّة الثنائيّة بينه وبين الرئيس دونالد ترامب، للبحث في مستقبل سوريا.

وفي زحمة هذه التطورات، يعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني عن استعداد بلاده للتفاوض مع أمريكا من دون شروط مسبقة. وصدر هذا الموقف تحت وطأة المظاهرات المطلبيّة في الشارع الإيراني، والمسيرات الاحتجاجيّة على الأزمة الاقتصادية - المعيشيّة. وربطت بعض الصحف الإيرانيّة بين موقف روحاني والمستجدات التي طرأت على الساحتين السوريّة، واليمنيّة، ذلك أن طهران لا تنظر بارتياح إلى الانسحاب الروسي من سوريا، وترى أن في الأمر مظهراً من المظاهر الراميّة إلى إحداث تغيير جوهري في الوضعين الميدانيّ والسياسيّ، والمباشرة بتغليب لغة الحوار والتسوية، بعد أن تدرّج الصراع من الوكيل إلى الأصيل، ومن التنظيمات المسلحة، إلى الجيوش النظاميّة المنتشرة فوق الجغرافيا السوريّة.

ويتنامى هذا القلق بعد مضي ما يقارب الشهرين، على مطالبة بوتين بانسحاب القوات الإيرانيّة من سوريا، يومها جاءه الرد المباشر بأن هذه القوات موجودة بطلب من النظام، وبالتنسيق مع الحكومة السوريّة، ووضعها لا يقل شرعيّة عن وضع القوات الروسيّة في سوريا. حتى إن المعارك التي تُخاض في الجنوب السوري، لا تحظى بحماس إيراني لافت، بل هناك الكثير من الأسئلة، والحسابات الجاريّة وراء الكواليس حول النهايات، وما ستؤول إليه الأمور في حال مالت الكفّة لمصلحة الجيش النظامي، وهل سيبقي على الوجود العسكري الإيراني - حزب الله في مثلث الجولان -القنيطرة - مزارع شبعا، أم ستقدم دمشق على المطالبة رسمياً بالانسحاب، وإخلاء المواقع للجيش السوري تحت شعار استعادة السيادة ؟.

وتزيد ازدواجيّة الموقف الأمريكي من منسوب القلق الإيراني، ذلك أن واشنطن كانت ضد العمل العسكري في الجنوب، وأنذرت الجيش السوري بقصفه مباشرة إن أقدم على أيّ عمل حربي في درعا والمحيط، لا بل ذهبت نحو الأبعد عندما عقدت خلوات حوار في العاصمة الأردنيّة عمّان مع الجانب الروسي والأردني لمعالجة أزمة الجنوب عن طريق الحوار، والمبادرات السلميّة، وفجأة، أصبح الحسم العسكري هو الخيار المتاح، ولم يتردد بعض الإعلام الإيراني في الحديث عن «صفقة» غير مباشرة ما بين دمشق وواشنطن، بحيث تسمح الولايات المتحدة بانطلاق المعركة العسكريّة، حتى إذا ما استتب الوضع لجيش النظام، تقدم دمشق على سحب مقاتلي حزب الله، وفصائل الحرس الثوري الإيراني، استجابة لطلب إسرائيلي ملحّ ؟!.

أما في ما يتعلّق بالملف اليمني، والمعارك التي تشهدها الحديدة، فقد كان الرئيس ترامب واضحاً عند تحريكه ملف النفط الذي يشكل الشريان الحيوي لكل من إيران، والتحالف العربي بقيادة السعوديّة. لقد دعا الدول الصديقة إلى عدم شراء النفط الإيراني، في محاولة منه لزيادة الضغوط الاقتصاديّة على طهران. أما فيما يتعلّق بالسعوديّة فقد طالبها بزيادة الإنتاج لتعويض النقص، وأيضاً لسدّ العجز المالي المترتب نتيجة حرب الاستنزاف المكلفة التي تخوضها في اليمن. إلاّ أن الدول الأعضاء في منظمة « الأوبك» رفضت هذه السياسة الترامبية، لأنها تؤدي إلى فوضى عارمة في معايير الإنتاج والتصدير، ما ينعكس سلباً على أسواق النفط.

بالطبع ليس كلّ ما تخطط له واشنطن يأخذ طريقه نحو التنفيذ، ذلك أن إيران لها إستراتيجيتها التي تأخذ بعين الاعتبار كل المحاولات الراميّة إلى استهداف دورها ومكانتها في المنطقة، حتى إن الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله قد ذهب نحو الأبعد خلال إطلالته الإعلاميّة الأخيرة وتحدث عن الخط المقاوم الذي يتقدم ويحقق انتصارات من اليمن إلى سوريا، ومع ذلك فإن إيران لا تنظر بارتياح إلى «التموضع» الروسي الجديد، ولا إلى قمّة ترامب - بوتين، وما ستقرره حول مستقبل سوريا، وهي تأمل من الرئيس الروسي أن يشجّع نظيره الأمريكي على فتح قنوات الحوار بين واشنطن وطهران التي باتت تدرك اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بأن المفاعلات النووية، والتخصيب، لا يطعمان الإيرانييّن خبزاً؟!.