برلين - الراية : بعد أيام على الهجوم العسكري الأمريكي على مطار عسكري تابع لنظام بشار الأسد، ما زال من الصعب معرفة إذا ما كان هناك إستراتيجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تجاه سوريا. وبحسب نيكي هالي، سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة، أن الإطاحة ببشار الأسد، من أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.  وذلك خلافاً لريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي الذي قال إن الهدف الرئيسي لواشنطن هو القضاء على تنظيم داعش، وكان قبل الهجوم الأمريكي قد صرّح بأن الإطاحة بالأسد لم تعد هدفاً رئيسياً للولايات المتحدة الأمريكية، وأن مستقبل الرئيس السوري بيد شعبه!.

وفيما تظل أهداف ترامب في سوريا غامضة، يعتقد إيريك بوردنكيرشر، خبير الشرق الأوسط في معهد تنمية الشرق الأوسط الأمريكي، أن واشنطن لا ترى وجود مصلحة لها للإطاحة ببشار الأسد، لأنها تخشى من عواقب «البديل».

  • تعجل العالم وصفّق لدونالد ترامب عندما تصرّف بشكل انفعالي وأمر بضرب قاعدة «الشعيرات» العسكرية السورية، ولكن بعدما نسّق الأمريكان مع موسكو التي قامت بإبلاغ دمشق كي تقوم بإخلاء القاعدة، الأمر الذي جعل العملية تتم بدون خسائر، ولكن وسائل الإعلام الغربية والعربية اعتبرت ذلك تحوّلاً في سياسة ترامب. فما هي برأيك الخطوة التالية التي سيقوم بها الأمريكان في الأزمة السورية ؟.

- فيما يتعلق بالسؤال حول الخطوة التالية، برأيي أن ذلك يرتبط بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وكما تعرفون، تتصدّر قائمة إدارة ترامب، المصالح الأمنية الوطنية والدولية. وحتى الآن، ترى الإدارة الأمريكية الجديدة، أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب بقاء بشار الأسد على رأس السلطة في دمشق. فالإدارة الجديدة في واشنطن لا تختلف في تقييمها عن الإدارة السابقة، وهي أيضاً تخشى إذا انهار نظام بشار الأسد حصول فوضى وحالة فلتان وانتشار العنف والإرهاب وتدفق اللاجئين. من المؤسف أن الإجابة عن هذا السؤال مؤلمة لعدم وجود بديل أفضل.  وهذا ما يفكّر به السياسيون في واشنطن والعواصم الأوروبية. إنهم يتمنون رحيل بشار الأسد اليوم قبل الغد، ولكنهم يخافون البديل. بالطبع لا يريد أحد التعاون مع مجرم حرب استخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه، ولكن من سيأتي بعده؟ هل يتحمّل العالم المزيد من اللاجئين وسقوط المزيد من القتلى؟. إن تقاعس العالم عن حل الأزمة السورية عندما اندلعت قبل سبعة أعوام، لم يترك أمامنا خيارات معقولة ومن يزعم أن حل الأزمة السورية عملية سهلة فإنه يحلم. لا يخيّل لي أن هناك نوايا جادة من قبل الدول الكبرى لإجبار بشار الأسد على التنحي عن منصبه.

  • أوحى قرار ترامب بتوجيه ضربة عقابية لبشار الأسد، أنه على العكس من سلفه باراك أوباما، يريد نهج سياسة حازمة ضد بشار الأسد، ولكن هذا العقاب إذا صح أن نصفه بعقاب، الذي كان محدوداً إلى درجة كبيرة، جعل بعض المحللين يتساءلون إذا ما كان ترامب يستطيع تحمّل تعرّضه إلى السخرية من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبشّار الأسد، لو اضطر إلى التزام الصمت وعدم تكرار العمليات العسكرية ضد نظام دمشق وبالتالي قبول بقاء بشار في منصبه؟.

- نحن نعرف أن ترامب يستطيع أن يقول ويفعل ما يريد. وحتى لو أنه غيّر سياسته حيال سوريا فإنه لن يتمكن من تحسين سمعته في العالم التي لحقت بها خسائر كبيرة جداً. الآن يرى الكثير من المُراقبين أن الضربة العسكرية السريعة وغير المؤلمة لقاعدة «الشعيرات» في سوريا، لم تكن جزءاً من إستراتيجية وأنها كانت انفعالية، لأن ترامب أراد أن يقول للأمريكيين خاصة والعالم عامة، أنه يختلف تماماً عن أوباما. فاستخدام بشار الأسد أسلحة كيماوية في «خان شيخون» أعاد ذكريات مؤلمة عندما استخدم النظام السوري الغاز السام ضد المدنيين في مدينة «الغوطة» في أغسطس عام 2013 وتسبّب في مقتل أكثر من 1400، بعد أن كان أوباما قد حذّر الأسد من تجاوز «الخط الأحمر». والآن أعاد بشار الأسد الكرّة ما جعل ترامب يتخذ إجراء مُخالفاً لموقف أوباما المعروف الذي كان خيبة أمل للشعب السوري في المقام الأول. والرسالة التي وجّهها ترامب للجميع هي أن الولايات المتحدة الأمريكية تبقى أقوى قوة في المجتمع الدولي وبوسعها أن تفعل ما تشاء وأن تعمل بسياسة مستقلة دون ضرورة التشاور مع بلد آخر.

  • ما هي الإمكانيات المطروحة لوقف الحرب في سوريا؟

- لا أعتقد أن هناك ائتلافاً دولياً يستطيع وقف النزاع في سوريا بالقوة العسكرية. فمثل هذا الأسلوب، سوف يُسفر عن قيام المزيد من المشكلات وليس المُساهمة في حل المشكلات القائمة. إن النزاع في سوريا معقّد جداً، فهناك الكثير من الأطراف التي تختلف مصالحها وبلدان كثيرة تدعم جماعاتها في الداخل، ولذلك فإن شن هجوم عسكري سوف يُسفر عن المزيد من التصعيد والفوضى. للأسف الشديد، نحن نواجه في سوريا وضعاً مروعاً، يصعّب الحل، وفي نهاية المطاف فإن الشعب السوري هو الذي يُعاني الأمرّين ويدفع الثمن باهظاً.

  • ما الذي يجعل إيجاد حل للحرب السورية عملية معقّدة؟

- تكمن المشكلة في أن العديد من الدول العربية التي تدعم جماعات المعارضة السورية، ليست متفقة فيما بينها حول مستقبل سوريا. وهذا الاختلاف في الرأي والمواقف ساهم إلى حد كبير في بقاء بشار الأسد في منصبه. إلى جانب ذلك، يحصل بشار الأسد على دعم من روسيا وإيران ومن حزب الله اللبناني وميليشيات شيعية أخرى من العراق وباكستان وأفغانستان. كما تتصارع جماعات المُعارضة السورية فيما بينها، وهذا أمر طبيعي في الحروب الأهلية. كما أن الأزمة السورية أصبحت أزمة مصالح لعدد من الدول الإقليمية والدولية، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى. ويستغل بشار الأسد ونظامه كل هذه الأمور ليتمسك بالسلطة والزعم أنه الوحيد الذي يستطيع منع سوريا من الانهيار ومجرد التفكير بالعواقب، يثير الذعر والقلق في نفوس المسؤولين السياسيين في الخارج.

  • ما هي توقعاتك بالنسبة لسوريا؟

- أعتقد أن الأسد سوف يستمر في السيطرة على أجزاء من سوريا. ولكنني أشك بأنه سوف يستطيع السيطرة على كامل البلاد، خاصة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش وأخرى بيد الأكراد. وإذا توقفت الولايات المتحدة الأمريكية عن التدخل عسكرياً في سوريا ولم يضعف نظام بشار الأسد، أتصوّر أن الوضع سيدخل حالة من الجمود. ولذلك لا أتصوّر أن الوضع سوف يتغيّر في المستقبل القريب، وهذا هاجس للذين يبحثون عن حل للأزمة السورية، الذين يخشون أن تصبح الحرب في عامها السابع مسألة روتينية بحيث تحتاج سوريا إلى عقد من الزمن على الأقل حتى تعود الحياة فيها إلى طبيعتها السابقة.