بقلم - توجان فيصل:

بعد خمسة أيام من نشر مقالتنا السابقة المُعنونة "عن الدولة الواحدة"، نشرت على موقع "راي اليوم" المقرّب من حلقة الحكم في الأردن بدرجة نجعله أقرب للصحيفة الرسميّة الأردنيّة، تغطيتان عجيبتان في أكثر من وجه لخبر واحد، وجه الغرابة الأول: أن الخبر في التغطيتين متعلق بأحدث ما جرى بحثه بين الملك عبد الله والرئيس الأمريكي ترامب بشأن حل الدولة الواحدة المفترض أنه غير مطروح في كل المبادرات الجاري تداولها ! والثاني: أن إسرائيل هي مصدر كشف الخبر في تلفزيونها وصحافتها. والثالث: أن النشر جاء بأثر رجعي لما يقارب الشهر من حدوثه. والرابع: أن توثيق الخبر في نسختيه جرى إما بتأكيد صحته من "مصدر إسرائيلي رفيع المستوى" و/أو "مسؤول أمريكي سابق" و"دبلوماسيين فرنسيين حضروا اللقاء بين الملك عبد الله وزير الخارجية الفرنسي لودريان".. وأخيراً التأكيد بالامتناع عن النفي بإيراد أن "السفارة الأردنية في الولايات المتحدة الأمريكية أبلغت التلفزيون العبري (أول من أورد الخبر) بأنها ليست معنيّة بالتعقيب".. وأن البيت الأبيض رفض التعليق "وأكد أنه لا يتطرّق إلى المحادثات التي يجريها الرئيس ترامب مع رؤساء الدول الذين يزورون واشنطن".. مقولة عجيبة وكأن هذه زيارات عائليّة أو زيارات أصحاب!

 فالخبر يعود ليوم الخامس والعشرين من يونيو الماضي، حين التقى الملك عبد الله الرئيس ترامب في البيت الأبيض، ثم يكمل بتاريخ الثاني من أغسطس الجاري حين التقى الملك وزير خارجية فرنسا في عمان ونقل له ما دار بينه وبين ترامب. ونص الخبر "أن الملك أخبر ترامب بأن الكثير من الشباب الفلسطيني لم يعودوا حريصين على حل الدولتين، ويفضلون العيش في دولة واحدة مع الإسرائيليين على أن تكون لهم حقوق متساوية، مضيفاً إن النتيجة ستكون أن إسرائيل ستفقد طابعها اليهودي". وأضاف المصدر نقلاً عن الملك قوله إن ترامب أجاب ساخراً "ما تقوله منطقي.. في حال سيناريو الدولة الواحدة، فإن رئيس وزراء إسرائيل سيكون اسمه "محمد" في غضون سنوات قليلة"!

 وهذا يدعونا لوقفة ثانية مع "الدولة الواحدة" في ضوء هذا الخبر. وأوله أن قول الملك عن دعم متنامٍ بين "الشباب" الفلسطيني لخيار الدولة الواحدة لا بد أن يستند لتقارير استخباراتية، ويتوجّب أخذه بجديّة. والمهم هنا أنه يعني أن الجيل الثاني والثالث من مهجري عام 1967، والجيل الثالث والرابع من مهجري عام 1948، لم يفقدوا الصلة بفلسطين التاريخيّة، ويريدون العودة لذات مدنهم وقراهم ولو بمشاركة محتليها جنسيتها. وهذا يسقط أي تعويل على نسيان أصحاب القضية لوطنهم كنتيجة للتهجير الجاري والمنوي.

 وثانياً، ترامب الذي لم يكن يعرف شيئاً عن مضمون "حل الدولة الواحدة"، وسبق وبيّنا كيف أنه في المؤتمر الصحفي عند استقباله لنتنياهو، بعد فوزه بالرئاسة وقبل بدء محادثاتهما، قال عن موقفه من القضية الفلسطينية، إنه سيؤيّد كل ما يتفق عليه الطرفان سواء "حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة".. ما جعل نتنياهو ينهي مسرحية بكائه المستدرّ للعطف، ويدفع بترامب للداخل دون تمكين الأخير من الإجابة عن أسئلة الصحفيين. والآن نجد ترامب يتبنّى النسخة الصهيونية في تصوير الفلسطيني بإطار الإسلام السياسي مع أن "الدولة الواحدة" تتطلب "مدنيتها"، فيقول إن اسم رئيس الحكومة سيكون "محمد".. هذا في حين أن أول من ترشح لذلك المنصب، هو المواطن الفلسطيني المسيحي عزمي بشارة.

وثالثاً، هنالك جسم إسرائيلي متنامٍ، علماني في غالبيته، يؤمن بحل الدولة الواحدة باعتباره الحل الأمثل لوقف سلسلة الحروب والتخوّف الدائم منها. وبعض هؤلاء وضعوا كتباً أصبحت من الأكثر مبيعاً في إسرائيل. ولكن ما يجري الآن هو هجمة يائسة من المتطرّفين المستحوذين على السلطة (الإتلاف الحاكم) ويستقون بالمستوطنين الحائزين على مزايا ماديّة، أو المستمتعين بمزايا "ساديّة" باتت تؤشّر على النهج الجرمي للصهيونية وتمسح صورة اليهودي المضطهد التي جهدت الصهيونية في تكريسها. وهذا بحد ذاته حري بدفع الرأي العام الإسرائيلي أكثر باتجاه التوصّل لتسوية تشاركيّة أكثر إنصافاً وأمناً، وبالتالي أكثر قابليّة للاستمرار.

 وكون هذا هو الأقرب للتحقق يتبيّن في ذعر إيهود باراك، الصهيوني الأمثل لجهة تصنيف "الأغيار"، من "الدولة الواحدة". لهذا هو يشرع في تبين طبيعة تلك الدولة فيقول إنها ستكون "دولة يهودية - مسيحية تعيش فيها غالبية من المسلمين جزء منهم مواطنون (فلسطينيو أراضي 1948) وجزء آخر رعايا"، ويقصد أهل الضفة المحتلة. ويعلن باراك خوفه من "غالبية مسلمة في دولة إسرائيل بحيث لا تعود لا يهودية ولا صهيونية ولا ديمقراطية".

 "الرعايا" تعني تابعين لدولة أخرى. وهؤلاء يقسمون لفئتنين، الأولى اللاجئون المهجرون عام 48 والذين يتوجب لمّ شملهم من قبل أهلهم "المواطنين"، كحق "ديمقراطي" بحده الأدنى. والبقية حتماً مصنفون رعايا أردنيين.. ولكن هؤلاء هم أصحاب أرض الضفة الغربية تاريخياً، فكيف يمكن أن يكونوا رعايا دولة أخرى فكّت ارتباطها بهم؟!

لهذا تحتم أن نجد أعداداً متنامية من "الشباب" الفلسطينيين، وحتماً ما يقارب كامل الأكبر سناً، قرروا التمسّك بحق العودة، ولو اقتسموا الوطن مع محتليه. وهذا يُمثل الحد الأدنى من حق تقرير المصير.

 

كاتبة أردنية