بقلم : توجان فيصل (كاتبة أردنية) ..
الفساد والشعور بالقوة هما أهم أسباب الحروب المدمّرة في العالم كله ومنذ بدء التاريخ. فالطمع بالمكاسب المادية والذي هو المكوّن الأكبر لما يسمّى «النفوذ» بدل تسمية «السلطة» الأكثر صدقاً ولكن الأكثر إدانة، يؤدي لتوظيف فائض القوة لجني مزيد من المال ومن «السلطة» التي تتحوّل لممارسات سادية حين تتجاوز الحدود المعقولة.

ولا حدود «للنفوذ» إن أصبح غاية لأن التنافس بل والاقتتال عليه يظلّ يتوسّع من كونه محلياً ليصبح إقليمياً ثم عالمياً (بحسب فرص الدولة)، ولا «للفساد» لأن سكرة المال الفاسد أسوا من سكرة الخمر أو نشوة المخدرات التي قد تودي بالإنسان لفقدان الوعي أو الوفاة، فيما سكرة المال تتعاظم بكثرته وتنشط ولا تقف عند أية حدود لحين القضاء بها.

الفساد المعني هنا ليس الفساد الصغير الذي يمارسه بائع أو صانع أو موظف يقبض «بقشيش».. الفساد المعني هنا هو الذي تمارسه قوى دوليّة متجبّرة، أو حلقة حكم تقوم باحتكار ثروات البلاد والتصرف بها، أو مافيات (سواء أسميت هكذا أم أسبغت عليها تسميات تجميلية) تتشكل في ظل قوى حكم فاسدة وبالتحالف معها كما جرى، ليس فقط في دول أمريكا اللاتينية، بل وفي الولايات المتحدة ذاتها عند تغول المافيات مما لم يكشف لحينه كامل علاقاتها مع الساسة، وإن تمّت بعض الإشارات.

بل إن ما تكشف منها بصورة فجة في حصار العراق والحرب الاحتلالية التدميرية له (حد الولوغ في جراثم إبادة جماعية) والتي وقف وراءها أصحاب مصالح نفطية ومصالح صناعة السلاح وخدمات الحروب، لم تتم مواجهته صراحة ورسمياً في أمريكا.. ولكن المواجهة جرت شعبياً بإسقاط الجمهوريين بانتخاب وإعادة انتخاب المرشح الديمقراطي بيل كلينتون، ثم بإسقاط الديمقراطيين لترشيح هيلاري كلينتون وتقديم أوباما بدلاً منها. وأوباما جسد نقيض جبهة أساطين المال الأنجلوساكسونية. ورفض هيلاري كلينتون شعبياً هو ما أنتج انتخاب ترامب.. ولكننا لن نخوض بما يلزم لإصلاح «الداخل» الأمريكي، فهو ليس موضوع مقالتنا، ولكن إيراد المثال «الماكرو» الأمريكي هام هنا لفهم المثال «المايكرو» الكردستاني.

نتفهم شعور أي قوم أقلية كانت أم أكثرية، أو حتى إنسان فرد، بخصوصيته ونحترم محاولته الحفاظ عليها. ولن نخوض في الشرعية التاريخية لتوطن الأكراد في شمال العراق، والتي فتح بابها ونبش وثائقها باحثون أكراد ومن قوميات أخرى في المنطقة. ولكننا سنتوقف عند الشعور بالقوة، وبالذات إن كان موهوماً، وعند وجود مكوّن فساد واضح لا نقول إنه يقتصر على ما أصبح يسمى إقليم كردستان، بل وفي العراق كله وفي محيطه العربي منذ احتلاله ونتيجة لذلك الاحتلال وتوظيفاً بل وتمهيداً له، وهو ما توثقه تقارير أمريكية في مقدمتها تقرير «فولكر». وهو فساد وصل للتريليونات. ولكن الأهم أنه كلف حياة مليون عراقي نصفهم أطفال، وأودى بأية سوبة «إنسانية» لملايين آخرين بقوا محسوبين أحياء.. لا نريد المجازفة - ولو باحتمال - أن يكون الفساد المتسبب بمجازر في المنطقة وفي العراق بخاصة تحرك للمرة الثالثة.

فتحركه ثانية جاء بتوليد «داعش» كمولود أنابيب في مختبرات غربية وعربية. وقد دفع الأكراد تحديداً ثمن هذا غالياً، وقاموا بأعمال بطوليّة وصلت حدّ تشكيل جيش نسائي مسلح، كانت آخر طلقة في سلاحهن تبقى للانتحار كي لا يقعن سبايا في يد داعش. وهو ما حاز إعجاب واحترام العالم.. لكن هذا لا يعني قبول الأكراد تكرار مواجهات بكلفة مماثلة مع كامل «محيطهم « بظن أن للأكراد حلفاء دوليين. والأسوأ هو ظنهم أن إسرائيل تصلح كحليف.. مع أن كل ما تريده إسرائيل يبدأ «بالنفوذ» (بمعنى نهب المقدرات المتاحة للإسرائيليين الآن في إقليم كردستان)، والأهم هو خوض حرب بالوكالة مع إيران والذي لم يعد متاحاً أن تقوم به أمريكا وحتماً ليس إسرائيل. أما تحالف أمريكا مع الأكراد، فيتوجب وقفة أمام إحدى صوره التي يتم تناسيها.

ونذكر بصورة جاءت بعد فشل محاولة أمريكية لترتيب انقلاب انفصالي كردي ضد نظام صدام حسين، واستولى النظام على أجهزة عسكرية أمريكية حساسة كانت زرعت في الإقليم، ففرّ جزء كبير من سكان المنطقة التي زرعت فيها الأجهزة للبراري المحيطة. وكان كل ما قدمه «الجيش الأمريكي» من دعم لهؤلاء هو إلقاء حزم غذائية من طائرات حربية مرت سريعاً. والفيلم الذي بثه الأمريكان تضمن إلقاء أرغفة من الخبز (لم تأتِ حتى مغلفة) كان الجنود يفرغون ما تبقى منها من على أرضية الطائرة بركلها بأحذيتهم لخارجها!

مشكلة الأكراد، بل مشكلة العراق كله التي لم تحلّ لحينه، تكمن في الفساد. ونحن سعداء بأن الرئيس العراقي فتح الحديث بشأنه. وقد يكون هذا وحده النتيجة الإيجابية للاستفتاء، ونتمنّى أن يستبق الأكراد بقية العراقيين لبحثه والتصدي له، أقله ليتبينوا لماذا يدفع بهم لمواجهة أقرب للانتحارية.