بقلم - طه خليفة:

وُصفت مجزرة ستيفن بادوك «64 عاما» في لاس فيجاس، مساء الأحد الماضي، والتي استغرق إطلاق النار فيها عشر دقائق، بأنها الأكثر دموية في التاريخ الأمريكي الحديث. عدد القتلى 59، والجرحى 527. تفوقت على مجزرة أورلاندو، في ملهى لمثليي الجنس، في يونيو 2016، حين قتل 49 برصاص شخص، قيل إنه بايع تنظيم داعش. التنظيم سارع بإعلان مسؤوليته عن جريمة لاس فيجاس، وزعم أن بادوك أحد جنود الخلافة، وأنه بايع التنظيم، وصار اسمه أبو عبدالبر الأمريكي، لكن السلطات الأمريكية استبعدت ذلك بعد التنقيب في سجل القاتل الشرس، والبحث لايزال جاريا عن الدافع وراء ارتكابه المجزرة. إذاً، هل يمكن التشكيك اليوم، وبأثر رجعي، في مجرم أورلاندو، وفي الجرائم المماثلة في أوروبا التي أعلن داعش مسؤوليته عنها، حتى لو كانت أصول منفذيها من بلدان عربية وإسلامية؟.

اللافت هنا أن داعش لا يفوت أي جريمة مرعبة في أي مكان بالعالم إلا وينسبها لنفسه، معتبرا أن منفذها من جنود الخلافة، ومن الاستسهال على أي جهاز أمني اعتماد تلك الرواية دون التدقيق فيها لمعرفة مدى صحتها من كذبها، وإلقاء مزيد من الجرائم على أكتاف التنظيم الإرهابي، وهذا يخدم الحكومات الراغبة في التضييق على الجاليات المسلمة، وفي غلق أبوابها أمام استقبال لاجئين ومهاجرين فارين من الحروب والمجازر في بلدانهم، وكلها عربية وإسلامية، وتشديد القوانين بحجة محاربة الإرهاب، ومنها سحب وإسقاط الجنسية، ومواصلة استخدام مصطلح الإرهاب الإسلامي للضغط على البلدان الإسلامية، وابتزازها ماليا وسياسيا بمزيد من الخضوع والتبعية، وكذلك بيع السلاح لها.

وعلى الجانب الآخر تسارع الحكومات العربية والإسلامية لتبرئة نفسها فتغالي في الحكم بقبضة من حديد ونار، وتصدر قوانين أكثر تشددا أيضا، وفي سياق حروبها على الإرهاب تعصف بالحياة المدنية، وبالمعارضات السياسية، وبكل صوت مختلف معها، وتصادر حرية الرأي والتعبير، وحقوق الإنسان، باعتبار أنه لا صوت يعلو على صوت مكافحة الإرهاب.

الخطاب الرسمي للحكومات العربية لا يخلو من الحديث عن القضاء على الإرهاب، وهو يسبق الحديث عن الخدمات، والإنجازات، وتحسين أوضاع المواطنين، والحكومات تروج لنفسها خارجيا بأنها تنخرط في حرب الإرهاب بلا هوادة، وأنها تتقدم الصفوف، وتدافع عن العالم، بهدف نيل تعاطف العواصم الكبرى والنافذة، والسكوت على أي قمع واستبداد داخلي، وعدم معالجة الأسباب الحقيقية للتطرف والإرهاب الذي ينطلق من بلدانها، وأغلبه سياسي اجتماعي اقتصادي فكري.

لا يولد إنسان متطرف، كما لا يولد إنسان مجرم، ولكن الظروف التي ينشأ فيها، أو البيئة العامة التي يجد نفسه فيه عندما يكبر، هي التي قد تصنع منه إرهابيا، أو مجرما قاتلا.قضية الإرهاب تخدم حكومات الغرب الديمقراطي، كما تخدم نظيراتها في الشرق الاستبدادي، كل جانب يوظفها لمصلحة أهدافه.

وهذا لا ينفي أن داعش تنظيم إرهابي، يرتكب مجازر شنيعة، وأن استئصاله ضرورة عربية وإسلامية، قبل أن يكون عالمية.

إذا كانت سجلات بادوك لا ترجح وجود علاقة له بداعش، فهو ثري، ومحب للقمار، وعائلته وجيرانه لم يلحظوا شيئا غريبا عليه طوال حياته، كما لم تجد صديقته أي شيء منه يشير إلى تفكيره في ارتكاب المجزرة، ولذلك يبقى الدافع لغزا حتى اليوم.

كل أدوات الجريمة موجودة، جثة القاتل، أدوات القتل، وهي عدد هائل من الأسلحة النارية والذخائر «23 قطعة سلاح متنوعة» في غرفته بالفندق التي استأجرها قبل ثلاثة أيام من الحفل الموسيقي، ومنها أطلق النار على المتفرجين، أي أنه استعد جيدا لجريمة لم تكن عبثية.

الرئيس ترامب وصفه بأنه مريض ومجنون، وآخرون قالوا إنه مختل عقليا، لكن من مراجعة ما نُشر من تفاصيل حياته وطريقة تنفيذه الجريمة فإنه يبدو عاقلا، وقد خطط جيدا لجريمته التي أراد إيقاع أكبر عدد من الضحايا فيها عبر السلاح الذي كدسه، وجهاز تسريع الطلقات الذي ثبته على البندقية الآلية، ووضعه أجهزة مراقبة على ثقب باب غرفته، وعلى الممر الخارجي أمام الغرفة حتى يكون على دراية بما يجري.

نحن أمام جريمة متعمدة، وشخص أراد القتل الرهيب، ولغز كبير، فهل يتم حله، أم يُغلق ملف القضية بدعوى أن بادوك مجنون، ويبقى بيع السلاح مفتوحا في أمريكا دون قيود ليأتي مجرم آخر في يوم آخر يتفوق عليه في إزهاق أرواح بريئة؟، كما تبقى تهمة الإرهاب الإسلامي جاهزة للصقها فورا بمن يكون اسمه محمد مثلا حتى لو ارتكب جريمة فردية عادية؟.

                       

كاتب وصحفي مصري

tmyal66@hotmail.com