قوانين السجون سمحت ببقاء مينا مع أمها حتى الـ 18

لم تشاهد تلفزيوناً وليس لديها فكرة عن العالم الخارجي

ترجمة - كريم المالكي:

بعد أن كانت والدتها سبباً في قتل 27 رجلاً، ولدت الطفلة مينا في السجن لتبقَى مع والدتها التي تقضِي فيه عقوبتها، وأصبحت مينا الآن واحدةً من مئات الأطفال الأفغان الذين يعيشون مثلها في سجون بلادهم، وفي السجن أصيبت بالجدري المائي والحصبة والنكاف، لأنها ترعرعت وفُطِمت فيه، لقد أصبح عمرُها الآن 11 عاماً ولا تزال في زنزاناته، وربما تَقضِي بقية طفولتها وعمرها في السجن أيضاً.

لم تَرتكب الطفلة مينا أي جريمة، لكنّ والدتها شيرين جول مُجرمة ومُدانة كقاتلة سفاحة، ومحكومٌ عليها بالسجن المؤبد، وبموجب قوانين السجون الأفغانية، يمكن للأم أن تبقي ابنتها معها حتى سن الـ 18 عاماً. وفي الحقيقة أن والدتها أنجبتها في السجن، ولم تخرج منه أبداً، ولا حتى بزيارة قصيرة، ولم تر أبداً جهاز تلفزيون، وليس لديها فكرة عما يبدو عليه العالم خارج الجدران.

محنتها كارثية لكنها ليست الوحيدة من نوعها، ففي جناح النساء في سجن مقاطعة نانجارهار، الطفلة مينا واحدة من 36 طفلاً سُجنوا مع أمهاتهم، من بين ما مجموعه 42 امرأة، ولكنّ أياً من الأطفال الآخرين لم يقضوا وقتاً طويلاً في السجن مثلها، لأن معظم أحكام أمهاتهم أقصر من حكم أمها بكثير.

سجن الأطفال بدون جريمة

يُعد سجن الأطفال الصغار مع أمهاتهم ممارسة شائعة في أفغانستان، لاسيما عندما لا يكون لديهم أقرباء، أو آباء غائبون أو غير مستقرين، ويقدر المدافعون عن الأطفال أن هناك مئات الأطفال الأفغان المسجونين بدون جريمة، وهناك برنامج أشبه بدور الأيتام يؤوي الأطفال الذين تُسجن أمهاتهم، ولكن يتعين على النساء الموافقة للسماح لأبنائهن وبناتهن، ولا يغطي البرنامج مناطق كثيرة.

وفي السجن الذي تقبع فيه الطفلة مينا، يتم ترتيب زنزانات النساء حول فناء واسع، مظللة بأشجار التوت، والأطفال لديهم الحرية في الذهاب للفناء. وهناك غرفة مدرسية في إحدى الزنزانات، مع لوح أبيض وخليط من المقاعد والكراسي، لجلوس 16 طفلاً على ثمانية مكاتب. ويتابع المعلم الواحد ثلاث درجات دراسية، من الأولى إلى الثالثة، ويقضي ساعة يومياً في كل صف، وحالياً مينا في الصف الثاني رغم بلوغها الحادية عشرة.

ولادتها وطفولتها بالسجن

كانت مينا، تجلس، وتمسك حقيبة بلاستيكية صفراء تحت شالها، حينما قالت خلال حديثها إلى محرر نيويورك تايمز: لقد عشت حياتي كلها في هذا السجن، نعم، أتمنى الخروج، والعيش في الخارج مع والدتي، لكنني لن أغادر هذا المكان من دونها.

كانت طفلة مؤدبة وأنيقة بالحجاب الذي ترتديه، أما والدتها فكانت مدخنة، ولديها وشم في بلد يعتبره غير مقبول، وعلى رأسها وشاح يكشف شعرها الذي صبغته بالحناء، والتي قالت رداً على سؤال عن شعور ابنتها: إنه سجن، فكيف ستشعر؟ السجن سجن، حتى لو كان سماء.

وحول سؤال لماذا لا تسمح لابنتها بالخروج فأجابت جول بغضب انتقدت فيه الرئيس الأفغاني: أنت يا سيد أمريكا، قل لأشرف غني، أخبره بأن يُخرجني من هنا، لم ارتكب أي جريمة، خطئي الوحيد هو أنني كنت أطبخ الطعام لزوجي الذي ارتكب جريمة.

من الإعدام للمؤبد

أدين زوجها، رحمه الله، مع ابنها وشقيق زوجها وعمه وابن أخيه لقيامهم بعمليات قتل وسرقة 27 رجلاً أفغانياً بين عام 2001 إلى 2004. ويقول المدعون العامون إن جول هي زعيمة العصابة. وكانت أثناء عملها كبائعة هوى تجلب زبائنها، الذين الكثير منهم من سائقي التاكسي، وتقدم لهم كباباً مخدراً، وبعد ذلك تتم سرقتهم من قبل أفراد أسرتها ويقتلونهم ثم يدفنونهم في فناء منزلين تملكهما العائلة. وحُكم على جميع الأشخاص الستة بالإعدام، لكن شنق الرجال الخمسة ولم ينفذ الحكم بحق جول لأنها كانت حاملاً، ولذلك تأخر تنفيذه، وبعد أن أنجبت مينا، خفف حكمها بالسجن إلى المؤبد.

وفي البداية زعمت جول أنها لم تعترف بالجرائم، ثم قالت إنها تعرضت للتعذيب ما جعلها تعترف، ولأنها شعرت بالإحباط بسبب استذكارها قضيتها، قالت لمحرر نيويورك تايمز إنها ستغرز مخالبها فيه، سأقتلك، سأذهب لأقتلع عينيك.

لكن مينا لمستها برفق من الكتف في محاولة لتهدئتها، ووضعت سبابتها على شفتيها وقالت لها: «أش». وقد هدأت والدتها لفترة وجيزة.

سجينة لأنها بدون أقارب

وكانت الفتاة لا تزال تحتفظ بالحقيبة الصفراء، التي كان في داخلها حزمة ملفوفة بمنشفة مطوية بعناية، وحينما سألها الصحفي: ماذا يوجد فيها؟ أجابت: صور أبي، وبفخر عرضتها لتريهم.

ونادراً ما تحصل مينا ووالدتها على زيارات، وتحديداً من أفراد العائلة، لأنهم جميعهم ميتون، وجزء من السبب الذي يبقي مينا وراء القضبان هو أنه ليس لديها أقارب على قيد الحياة ليأخذونها، حتى لو سمحت والدتها بذلك. أو كما أوضحت والدتها: لدي العديد من الأعداء، لذا لا أثق في أن يأخذ أحد مينا إلى خارج السجن. وكانت صور رحمة الله، عبارة عن صور شخصية، ولقطات للعائلة أثناء إحدى الإجازات، وصور له مع والدتها جول.

وأدين زوجها رحمة الله بقتل عددٍ من الأشخاص عُثر عليهم مدفونين في ساحات المنازل العائلية في عام 2004. وتنقلت مينا عبر الصور واحدة تلو الأخرى، متجاوزة بعضها، بما فيها صورتان لوالدها ميتاً، بعد شنقه.

في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز عام 2015، اعترفت السيدة جول بأنها ورحمة الله قتلا شخصاً معاً، لكنها عادت ونفت ذلك وحمّلت رحمة الله المسؤولية وقالت إنه مات وذهب، بينما نموت أنا وابنتي ببطء كل يوم. ومع أن مينا تستحق حريتها، لكنها لن تحصل عليها ما لم تنلها والدتها أيضاً.

وجود الأطفال في السجن فضيحة

ويقول المدافعون عن الأطفال إن وجودهم في السجن فضيحة من دون حل. ويعلق مدير وكالة حماية الطفل، شبه الحكومية، عندما لا ترتكب جريمة، فينبغي ألا تُعاقب عليها، وهؤلاء الأطفال لم يرتكبوا أي جرائم، كما أن إبقاء الأطفال بالسجن يتعارض مع المعايير الدولية والقانون الأفغاني، رغم انتشار هذه الممارسة لكننا لا نملك بدائل أخرى.

وهناك حوالي 30 سجن نساء في البلاد فيها مئات الأطفال المرافقين لأمهاتهم، ويضم الجناح النسائي في سجن بول الشرقي في كابول حالياً 41 طفلاً دون سن الخامسة. ويبدو سجن نساء نانجارهار غير مكتظ نسبياً وتمت صيانته بشكل جيد، وتراوحت أعمار الأطفال الـ 36 الموجودين فيه من 3 أيام إلى 11 سنة، ومينا كانت الأكبر.

وتتشارك النساء وأطفالهن بـ10 زنزانات كبيرة، مع سريرين مزدوجين بطابقين لكل منهما، والكثير منهم ينامون على مراتب على الأرض. وتجلس مينا متكئة على ذراع والدتها، وتتحدث عن أن أفضل صديق لها، هي سلمى «10 أعوام» حيث تلعبان معاً بالدمى، وقالت مينا إنها وسلمى صنعتا ألعابهما الخاصة من قطع القماش.

ويبدو أن والدة مينا كانت غاضبة في النهاية من وجود الصحفي الأمريكي فقالت: ما يجب عليك القيام به، سيد أمريكا، هو أن تحصل لنا على تلفزيون، أنت زائرنا، جئت للتحدث معي، ولاحظت أنه ليس لدينا تلفزيون، لذا يجب أن أطلب داعش ليقطعوا رأسك.

عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية