بقلم - عبدالرزاق العنزي:

الحياة ليست كاملة بل منغصاتها أكثر من لذاتها، فيها تعقيدات ومشاكل وهموم وغموم وأفراح وأتراح مزجت على كدر وأنت تريدها صفوًا من الأقذاء والأكدار فلا يكاد يخلو صاحب نفس فيها من مشكلة أو مصيبة أو بلوى أو وجع أو ألم، فليست بدار مسرات كاملة ولا أحزان كاملة بل هي بينَ بينَ، جامعة الضدين والنقيضين خير وشر وسرور وحزن وحق وباطل .

يقول نورمان فينيست : «إن لم يكن لديك مشاكل على الإطلاق -وأنا أحذرك من ذلك- فأنت في خطر بالغ، أنت خارج الطريق ولا تعرف ذلك، إذا كنت تعتقد أنك لا تعاني أية مشاكل فإنني اقترح عليك أن تركض من مكانك على الفور وتركب سيارتك وتقود بأقصى سرعتك ولكن بسلامة واذهب إلى منزلك وتوجه إلى غرفة نومك وأغلق الباب ثم اجثُ على ركبتيك وادعُ الله وقل: ما الأمر ياربي؟ ألم تعد تحبني؟ يارب ابتلني ببعض المشاكل». وكان قبله بعض الصحابة رضوان الله عليهم يذهبون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون يارسول الله لم تحدث لنا ابتلاءات لعل هذا بسبب نقص إيماننا أو عدم محبة الله لنا.

إن البلاء محتوم والقدر مقسوم والبلية جاثمة والكارثة على الأبواب تنتظر حراسة الملكين اللذين على جنبيك أن ترفع عنك حتى تحل الكارثة ويحصل البلاء، ليتم بعده التمحيص والاختبار لمن صبر أو تسخط وجزع، إنني لا أعرف أحدًا انتهت مشاكله سوى الذين قضوا نحبهم، فأين ما اتجهت تجد النائحة والثكلى والكسيرة والحسيرة والحبيس والأسير والقلب المكلوم والفؤاد الموجوع، شكاية ونكاية، فكم هم الذين شقوا وتعذبوا وعانوا مرارة الحياة، تآمر وتخاذل وحقد وحسد، ضوضاء وصخب، جنون وحالات هلع، إزعاجات ومنغصات، كسل وخَوَر.

فيا أخي لا تغضب ولا تجزع إن حصلت لك مصيبة أو تعرضت لمشكلة فإن كنت فقيرًا فهناك من هو محبوس في ديون خلف القضبان الحديدية، وإن كنت لا تملك سكناً خاصًا بك فهناك من يسكنون العراء ويلتحفون السماء شردتهم الحروب وهجّرتهم الطائفية، وإن كنت لا تملك سيارة فغيرك مبتور القدمين لا يستطيع المشي، وإن كنت تشكو ألما أو صداعًا عارضًا تتذمر منه فهناك من هو حبيس الأسِرّة البيضاء منذ شهور لا يقوى على الحراك نصف جسده ميتا، ولن تجد في الحياة زوجةً أو ولدًا أو عائلة أو صديقاً أو وظيفة إلا وفيها ما ينغص ويكدر الخاطر ويسوء الحال فلا كمال في الدنيا، أنت ونفسك بين جنبيك لست راضيا عنها ومستاء منها أحيانا وقيادها في يديك فكيف بنفس غيرك وهي خليط من الأمزجة المتناقضة والطبائع المتضادة .

كيف تشكو الهم والغم وضيق الصدر وأنت في فضاء الله الواسع تستنشق هواء الطبيعة المنعش حتى لو كان ملوثاً بصخب المدينة لكنه يأتي من السماء، وغيرك حبيس سجنه لا يرى شمس الكون ولا يشتمّ رائحة هواء الصباح مقيد بالقيد والسلسلة، فكفاك تسخطاً وجزعاً ومللاً واخرج من بوتقة الشكوى والتذمر واستمتع بضياء النهار وجلال الليل وهواء الروابي والسهول ونسمات البحر الباردة، واشكر ربك وقل حمدًا لك يا الله على كل ما قدرت وقضيت فلن اتسخط بعد اليوم على أقدارك وسأرضى بكل ماكتبت لي ولن أضيع وقتي بالشكوى والعويل.

يقول الراشد في كتاب المسار: من عنده ثلاثمائة وستون رغيفاً وجرة زيت وألف وستمائة تمرة لم يستعبده أحد، وقال أحد السلف: من اكتفى بالخبز اليابس والماء الزلال سلم من الرق إلا لله، فسلم أمرك لله وكن راضيا في الضراء والسراء والشدة والرخاء حتى تتحول المكاره إلى مكارم والمحن إلى منح والبلايا إلى عطايا والفقر إلى غنى .

أهلا وسهلا بما يأتي به القدر

في كفه الدُّر أم في كفه الحجر

bn_lafi@hotmail.com