بقلم - أ د. عمر بن قينه:

لا أعرف -ميدانيًا- بلدًا عربيًا اليوم من الدول المحترمة يعيش تصحّرا ثقافيًا بل حصارًا مثل (الجزائر) دون وصول الكتاب والجريدة والمجلة من العالم آليًا، خاصة منه الوطن العربي، أو تصدير المطبوع الجزائري، حيث يرتفع الجدار العازل، وتزرع (الألغام) القانونية، قد تصير مرنة تجاه (أمّ قوم) بيننا (فرنسا)! فيتحايلون للسماح بالتجاوز أحيانا، بينما يُحْكِمونه دون تصدير الكتاب العربي من الجزائر إلى أقطار الوطن العربي أو استيراده من خارج الجزائر، لا فرق بين (الكويت) و (لندن) التي تنشر الحرف العربي!

قارئ الحرف العربي في الجزائر يمثل أكثر من 80%  من القراء، ولا يصل قارئ الحرف الفرنسي إلى20% بل ربما في حدود 10%! ويكاد يكون محصورًا في قراء الصحف

هذا الحصار الجليدي الجلمودي لا تخفّف منه (معارض الكتاب) مرة في السنة، مع شروط قمعية بتحديد النسخ المجلوبة للعرض، مع نزَق الهوى في (إدارة المعرض) لا في (تشجيع) المعروف الهزيل حتى الابتذال (كتبًا و كتّابًا) فحسب بل في منع كتب وحجب أسماء دون التقديم، هي وجوه مشرقة في الحركة الثقافية الجزائرية خلال نصف قرن.

بدأت الحياة الثقافية في الجزائر تخضع لهذا الحصار منذ ثمانينيات القرن الماضي، ثم شرع يكبر ويشتدّ حتى الاختناق اليوم، فيما يخص المطبوعات العربية الصادرة من الجزائر أو الواردة من الوطن العربي ومن خارجه، والإفساح للهوى ومصالح الأفراد !

تعميم التعليم و إجباريته في السياسة التربوية منذ الاستقلال لم يجد له امتدادًا تكامليًا في حياة ثقافية، ركيزتها القائمة: الكتاب الجاد والمجلة الرفيعة والجريدة الجيدة (غير المتحزّبة) ولا (العميلة) لجهة ما في محيط انتهى بنا أخيرًا إلى غياب المهنية (نشرًا وتوزيعًا) فشرعت تنتشر لدينا منذ (2010) دور نشر كطفيليات بالمئات، لجمع المال: استغلالاً للكاتب والقارئ والدولة نفسها التي يفسح بعض (موظَّفيها الفاسدين) لخدمة مصالح بين ناشر انتهازي وإداري فاسد! مما أصاب المكتبات بتخمة تغلب عليها الرداءة: فكرًا ولغةً في معظم المنشورات، في غياب منافسة شريفة، تحكمها ضوابط صارمة تحترم حقوق مؤلف ومشاعر قارئ، هذا هو الغائب بنسبة تسعين في المئة (تفاؤلًا وتحفظًا فقط) بعدما أفلس الغرباءُ الدخلاءُ عن مهنة النشر أهمَّ دار نشر وطبع وتوزيع عمومية (المؤسسة الوطنية للكتاب) التي خلفت (الشركة الوطنية للنشر والتوزيع) فانتهينا اليوم إلى تصحّر ثقافي موجع!

أتنقّل اليوم بين رفوف المكتبات في بلد (ديمقراطي!) فأرى الغياب التام للتنوع الثقافي شرقًا وغربًا في قلبه غياب الإنتاج العربي، في بلد أربعين مليونًا، عُرف بالقراءة الجادة والقرّاء الحيويّين، فوجدتني في صورة يتقدّمنا فيها (اليمن التعيس) ماضيًا وحاضرًا!

اليمن رغم تعاسته السياسية و(قبائلياته) التي تفتك به وتخلفه المزمن فإن الأبواب مشرعة لدخول الكتاب، حتى الكتاب الجزائري، لا أدري كيف يدخل! فتفاجأت في (صنعاء) نفسها (2001) بعنوانين من كتبي، أحدهما نشر في (الأردن) والثاني في (الجزائر) رأيتهما في معرض على الرصيف، والبائع نفسه لم يعرف من جلب الكتاب من الجزائر، حين سألته من باب الفضول.

الكتاب من (الوطن العربي) في كل مكتبة يمنية، المجلات والصحف من أقطار عربية متوفرة، حتى بعض الصحف التي تصدر في (لندن) و (القاهرة)  تصل إلى (صنعاء) في يومها، مثلها (السعودية) التي تستقبل بعض مكتباتها أسبوعيًا الجديد من المنشور العربي والمترجم والأجنبي، رغم ضعف القراءة لدى المواطن، حتى الكتب الشيوعية! (هتلر) و (ماوتسي تونغ) جنبًا إلى جنب!

ليس الحصار قرار وزير، مناخ إداري، فقد رأيت قبل نحو عشرين سنة زميلاً نتبادل تقديرًا صار وزيرًا للقطاع ؛ حاول على سبيل المثال أن يفسح لمجلة (العربي) الكويتية ذات القيمة القومية في الثقافة العامة فأخفق، لأن الأخطبوط (الفرانكوفوني) أقوى من إرادة وزير ووطنيته، يتعاضد لدى هذا الأخطبوط التفكير بالتخطيط المحكم والتنفيذ الدقيق، لزرع الجهل في شعب شغوف بالمعرفة، وقطع تواصله بشكل خاص مع فضائه الطبيعي الروحي الفكري.

هذا امتداد لسياسة (الاستعمار الفرنسي) منذ اقتحم (نابليون) مصر (1798) ثم الجزائر (1830) حيث تنهض سياسته على مبدأ: "الثقافة الفرنسية تسير يدًا بيد مع النفوذ السياسي الفرنسي حيثما سار" !  من حقّ الاستعمار التمكين لثقافته مثل سياسته، أما العار فعلى أتباعه، عبيده الذين يرعاهم بالدّعم والمؤازرة!

 

كاتب جزائري

beng.33@hotmail.com