بقلم / أ.د. عمر بن قينه - كاتب جزائري :

برمجت رحلة ربيع (2018) هذه إلى منطقة (قرقور) بالشمال الشرقي الجزائري في صورة «حجّ وحاجة» كما يقول مثل، لا أدري إن كان عربياً عاماً أو جزائرياً خالصاً: للعلاج الطبيعي في (المركب السياحي المعدني) بها ولإشباع السمع والنظر وامتلاء الرئتين من طبيعتها الأنيقة: خضرة زاهية وأزهاراً بديعة ونسيماً عذباً منعشاً وإنساناً طيباً متواضعاً قنوعاً؛ فوجدتني في روضة جمالية تغتسل فيها الروح من أوحال العاصمة -مثل العواصم الكبرى- بكل تداعياتها الطبيعية والإنسانية؛ فاقتحم الذهن الحكم الذي يقول: «ثلاثة تزيل عن النفس الشجن: الماء والخضرة والوجه الحسن»

الخضرة والاخضرار وبديع الأزهار: اللوحة الطبيعية المبهجة أغرتني بالإلقاء بنفسي بين أحضانها في كل موقع لذت به، وما لذت بمكان في مواقع هذه الخضرة اليانعة حتى كانت الزهور البديعة تحفني، من يميني وشمالي، من أمامي وخلفي، فصارت هيامي، فتنسيني مواعيد طعام، في مطعم (المركّب) فأسهو عن طاولتي ذات الكرسيين، الثاني منهما للرفيقة في الحياة والرحلة التي كثيراً ما أيقظتني من هيامي على هذه (الرّبى) رُبَى الأعشاب، أهمّها هذه الربوة التي تشرف على (المركب) التي تكاد أذرعها تحيط به من أعلاه إلى أدناه!

كم أنت جميل! يا وطن العزّة التي غرسها المجاهدون الشهداء عبر قرنين من الزمان! قبل أن يناله التشوّه على أيدي (المجاهدين المزيّفين) والانتهازيّين اللّصوص النّهّابين!

استسلمت لهذا الجمال الطبيعي المنعش البديع الذي وجدتني بين أحضانه؛ فألقيت ببدني وروحي على لوحة الطبيعة البديعة المشرقة في (عزّ أبريل) بالجهة الشرقية على مشارف (المركّب) طبيعة بديعة زاهية؛ أستلذّها فراشاً حريرياً ناعماً، حتى الصخور الصغيرة تحفها الأعشاب والزهور استحالت رطبة وديعة، فيسعد بمشهدها نظري وتمتلئ بهوائها وهواها رئتاي.

الخضرة اليانعة، طبيعة المكان: إطار بهيج لسمفونية جمال، تزخرفت بأنواع شتى من الزهور ذات الأشكال المختلفة والألوان العديدة البديعة، أعرف بعضها وأجهل كثيرها أشكالاً وألواناً وأسماء؛ فعادت بي الصورة، عشرات السنين إلى فضاءات أريافنا الطبيعية الزاخرة بالجمال!

تسري في النفس سكينة وهناء وسلام وأنا أستلقي على الهضبة بمشارف (المركّب) حتى الأحجار سرت فيها عدوى الجمال؛ فصارت ناعمة تحوطها الأعشاب والزهور من كل جانب؛ فاستسلمت لعذوبة الطبيعة حولي: شجراً وعشباً وزهوراً متنوعة، من قليلها الذي أعرف: الوردي، الأحمر، الأبيض، الأصفر، البنيّ، البنفسجي، فضلاً عن كثير مما لا أعرف اسماً وطبيعة، حتى الزهرة الواحدة من بعض هذه الباقات المتناسقة البديعة: أقطفها فأمعن النظر في قلبها فأجدها تتركب من لونين أو ثلاثة، ربما أربعة، يلتف عليها اللون الخارجي، كالأحمر والرمادي!

أستلقي، أمتّع النظر وأستنشق العبير، ويرنّ في السمع طنين نحلة هنا كموسيقى عذبة وأخرى هناك وغيرهما هنالك، تنشد النحلة غذاء في قلب الزهور يصير شهداً لذيذاً، فتتنقّل لذلك بين الزهور، تمكث في زهرة واحدة قليلا، ولا تكاد تحط في أخرى حتى تطير؛ فتستقرّ طويلا في غيرها لغذاء لذيذ، وقد احتوى قلب تلك الزهرة رأس النحلة تمتصّ الرحيق! «يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للنّاس»(النحل:69)

يستريح البصر مطمئنا، يطرب السمع؛ فينشرح الفؤاد والرئة تمتصّ الأريج البديع المنعش؛ فتشرع المشاعر تسمو والنفس تتطهّر من أكدار الحياة، ونواقصها المعنوية، ونواقض السلام النفسي اليومية؛ هذه يكبر وقعها على النفس في المدن الكبرى، بسلبياتها التي لا حصر لها، أما إيجابياتها فمحدودة لا تعوّض تكاليف المعاناة فيها! معاناة الأبدان والأرواح!

هنا فضاء عذب جميل أنيق، تضفي عليه صورة الإنسان نعومة، بسلوكه السويّ وروحه المدنية الأخلاقية في العلاقات الإنسانية السوية الودودة التي نفتقر إليها في المدن الكبرى، حتى في الجزئيات الصغيرة، من خلال لقطات بسيطة لكنها موحية.

أخلاق اجتماعية، أمان نفس وأمن عام، قناعة وأدب جمّ رغم الضنك المعيشي حتى العوز في المكان، لكنها العفة مثل حسن السلوك: نظرة وكلمة وحركة. ندعو الله أن يجود بالرفاهية على المنطقة كلها؛ فتنتفي الحاجة المادية لهذا الإنسان القنوع، تكمل تلك الرفاهية الروحية. ما أحوجنا إلى توازن في الغنى المادي والروحي في حياة عامة سوية ناعمة، نتعاون فيها بحب ومودة وسلام على الخير العامّ.

أنعم بها حياة توازن وطهر ووداعة، في أحضان أشجار وارفة الظلال وخضرة بديعة وزهور أنيقة وعصافير تزقزق ونحل طوّاف.

beng.33@hotmail.com