كتب- نشأت أمين:

قال فضيلة د. محمود عبدالعزيز إن المولى عزّ وجلّ جعل شهر شعبان نفحة من نفحاته، ومضماراً للتسابق بين عباده ابتغاء مرضاته، مُشيراً إلى أنه لعظيم فضله فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصومه إلا قليلاً، مستشهداً بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَاماً فِي شَعْبَانَ».

وأضاف د. محمود: يستدل بهذا الحديث على أن أفضل الصيام بعد رمضان شهر شعبان، لمواظبته صلى الله عليه وسلم على صوم معظم أيام شهر شعبان، مُشيراً إلى أن من الحكم العديدة من إكثاره صلى الله عليه وسلم من الصوم في شعبان أنه شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب صلى الله عليه وسلم أن يرفع عمله وهو صائم، كما أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان.

رفع الأعمال

وأوضح أن الأعمال ترفع إلى الله عز وجل كل يوم إجمالاً وتفصيلاً، كما في الصحيحين: «يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل»، وكذلك ترفع إليه جل وعلا أعمال الأسبوع في يومي الاثنين والخميس، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يصومهما، وترفع إليه أعمال السنة في شهر شعبان.

وأكّد أن من فضائل شهر شعبان أن فيه ليلة النصف: وهي ليلة عظيمة ينزل فيها الرب العظيم جل وعلا نزولاً يليق بجلاله وكماله إلى سماء الدنيا فيغفر لأهل الأرض إلا لمشرك أو مشاحن كما صحّ الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأهل الأرض إلا لمشرك أو مشاحن».

ليلة النصف

ونصح من كانت بينه وبين أخيه شحناء، بأن يبادر برفعها قبل ليلة النصف تعرضاً لنيل مغفرة الله تعالى ورحمته سبحانه وتعالى. والحذر من مظاهر الشرك بنوعيه الأكبر والأصغر، وليعشْ المسلم على توحيده الخالص لله ربّ العالمين.

وذكر أنه ليس لليلة النصف إحياء مخصوص كصلاة الرغائب وغيرها، أو تجميع الناس لصلاة القيام في المسجد، فكل هذا من البدع، وكل بدعة ضلالة، والمبتدع من أبعد الناس عن الله، لافتاً إلى أن المسلم في هذه الليلة يبحث عن رضوان الله، ويتعرض لمغفرته، فلا يكن ببدعته هذه بعيداً عن الله.

وأكّد أنه يحرم صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان، ذلك الذي يشك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان؟ مستشهداً بما ورد عن عمار بن ياسر رضي الله عنه، قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» إلا إذا وافق صوماً معتاداً فلا بأس لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْهُ».

إحياء الوقت المغفول

وبين أن إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فيه فوائد كثيرة للمسلم، وهي أن فعلنا لهذه الطاعة يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل لاسيما الصيام، فإنه سرّ بين العبد وربه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء، وقد صام أحد السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، حيث كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان، فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما في سوقه، ويظن أهل سوقه أنه أكلهما في بيته.

وذكر أن إحياء وقت غفلة الناس بالطاعات يكون فيه مشقة على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس إن كانت على السنة، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «الأجر على قدر النصب «.

وقت الغفلة

ولفت د. محمود إلى أن السبب في أن الطاعات في وقت غفلة الناس شاقة وشديدة هو أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين لهم، فسهلت الطاعات.

وأوضح أنه لما كان شعبان كالمقدمة لرمضان فقد شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن، ليحصل التأهب لتلقي رمضان وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، ولهذه كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك، ويغتنم وقت غفلة الناس، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

عبادات مخصوصة

وتطرّق د. محمود إلى حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام، ويومها بصيام قائلاً: الكلام هنا عن التخصيص، لا من اعتاد صيام البيض، أو وافقت عادته، وكذا من اعتاد قيام الليل، أما تخصيصها دون غيرها بالقيام، ونهارها بالصيام، فهو بدعة، لما سبق من كون الأحاديث الواردة في ذلك من الأحاديث الواهية والموضوعة، ولم يكن أمره صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ذلك، فمن أحدث في أمره ما ليس منه فهو مردود عليه.

وشرح حُكم الصوم في النصف الثاني من شعبان، مُستشهداً بقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا».

وقال د. محمود إن هذا يكون في حق من لم تكن له عادة في الصوم، فيكره له الصوم بعد انتصاف شعبان، أما من كان له عادة كصوم الاثنين والخميس، أو صوم يوم وإفطار يوم، أو وصَل النصف الثاني من شعبان بالنصف الأول، فالصوم في حقه مشروع.