بقلم - خيرالله خيرالله:

إذا وضعنا جانباً حرب تحرير الكويت في الشهر الثاني من العام 1991، نكتشف أن الإدارات الأمريكية المتلاحقة لم تتابع أي عملية سياسية أو عسكرية باشرتها في الشرق الأوسط. اكتشف حلفاء الولايات المتحدة أنّ ليس في استطاعتهم الاتكال عليها في معظم الأحيان. اكتشف هؤلاء أنّ ليس معروفاً، متى يمكن للقوّة العظمى الوحيدة في العالم، أن تتخلى عنهم في ليلة ليس فيها ضوء قمر؟.

إحدى المفارقات التي تثير الاستغراب وتطرح الكثير من الأسئلة لماذا كان ذلك الإصرار الأمريكي في عهد جورج الابن على احتلال العراق من دون امتلاك خطّة واضحة لمرحلة ما بعد سقوط نظام صدّام حسين؟.

هناك حالياً، في ضوء الحيرة الأمريكية حيال كيفية التعاطي مع كوريا الشمالية، تفسير جديد لذهاب بوش الابن وإدارته إلى النهاية في اجتياح العراق. يتلخّص هذا التفسير بانّ العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شمال، على العكس مما ادعته واشنطن ولندن في حينه. أما كوريا الشمالية التي يحكمها شخص، اسمه كيم جونج اون، أقلّ ما يمكن أن يوصف به أنه موتور، فهي موضع مهابة أمريكية. هذا عائد بكل بساطة إلى أنّها تمتلك بالفعل أسلحة الدمار الشامل التي تتاجر بها مع كل الأنظمة التي على شاكلتها.

هل سيختلف دونالد ترامب في شيء عن أسلافه، خصوصاً عن بيل كلينتون الذي اعتقد أنه وضع حداً للبرنامج النووي الكوري الشمالي، وعن باراك أوباما الذي كان يظن أنّه حقق إنجازاً ضخماً بتوصله إلى اتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني؟، هذا الملف ما كان ممكناً أن يكون له وجود لولا دولة اسمها كوريا الشمالية التي ليست بعيداً أيضاً عن حصول نظام الأسد (الاب والابن) على السلاح الكيميائي وتخزينه من أجل استخدامه في الحرب التي يشنّها هذا النظام على الشعب السوري.

يُكشف الموقف الأمريكي من كوريا الشمالية نقاط ضعف السياسة الأمريكية. بدأت نقاط الضعف هذه تتبلور في عهد جيمي كارتر الذي وقف مكتوفاً عندما احتجَزَ «طلابٌ» إيرانيون موظفي السفارة الأمريكية ودبلوماسييها في طهران في تشرين الثاني - نوفمبر من العام 1979. بقي الدبلوماسيون والموظفون محتجزين طوال 444 يوماً. كان ذلك دليلاً على أن الولايات المتحدة «نمر من ورق» كما وصفها الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونج، ليكتشف ماو في مرحلة لاحقة أن ليس أمام الصين سوى الانفتاح على العالم واعتماد اقتصاد السوق في حال كانت تتطلع إلى تقدّم شعبها. تبيّن في مرحلة ما بعد ماو أن الصين نفسها «نمر من ورق» في حال لم تسر في ركب الاقتصاد الغربي بعيداً عن كل التنظير السياسي والاقتصادي وما له علاقة بماو نفسه وماركس ولينين..

 وضع جيمي كارتر الأسس لسياسة أمريكية أدت إلى التخلي عن لبنان. ثمّة من سيقول أن لبنان ليس بلداً مهماً وأنّ في الإمكان الاستغناء عنه مقارنة بسوريا والعراق على وجه التحديد. ولكن لماذا هرب رونالد ريجان من لبنان في العام 1983 في وقت كان يخوض فيه حرباً حقيقية على الاتحاد السوفياتي ما لبث أن انتصر فيها؟. هل لأنّه عقد صفقة مع إيران - الخميني سمحت له بالوصول إلى الرئاسة؟.

 لولا تلك الصفقة، التي كانت تقضي بعدم الإفراج عن رهائن السفارة الأمريكية قبل يوم إجراء الانتخابات الرئاسية، لكان كارتر فاز بولاية ثانية بدل أن يهزمه رونالد ريجان.

 ستتوقف أمور كثيرة على ما سيفعله دونالد ترامب مع كوريا الشمالية. هل هو رئيس قوي بالفعل أم لا؟ هل هو قادر على أن يكون مختلفاً عن باراك أوباما الذي انسحب عسكرياً من العراق في العام 2010 مستكملاً تسليم العراق إلى إيران؟

 انتهت الحرب الأمريكية على العراق في 2003 بمنتصر واحد هو إيران. ليست إيران سوى أقرب الحلفاء لكوريا الشمالية التي تستخدمها الصين في عملية ابتزاز للولايات المتحدة. مصدر معظم ما تستعرضه إيران من صواريخ هو كوريا الشمالية ولا أحد آخر. تستعرض إيران أيضاً ميليشياتها المذهبية في العراق وسوريا ولبنان حيث الجيش الوطني الذي يدعمه الأمريكيون.

إذا واجهت إدارة ترامب كوريا الشمالية، سيتعلّم كثيرون من الدرس. إذا لم تفعل ذلك، ستزداد الأسئلة المتعلقة بما إذا كان الرهان على الولايات المتحدة ينفع في شيء.

كاتب لبناني