بقلم - عبدالرازق العنزي:

سن الأربعين .. أيا سن الأربعين رويدك علي فلا ترهقني فوق ما بي، فقد بلغت فيك عمراً ولن أقول لك:

ألا ليت الشباب يعود يوماً وأخبره بما فعل المشيب

فأنا أتقمّص فيك روح الشباب، وأجسّد فيك عقل الرجال، أحاول فيك أن أبتعد عن البؤساء الذين تعتلي محيّاهم مخاوف الكهولة وفزع الشيخوخة، عاشوا معك بثقل سنينك العجاف في ستر وعفاف أو في شقاء وإجحاف، منهم من استوت به الحياة على عروش الأغنياء، ومنهم من هوت به في قاع سحيق في صف البؤساء.

عاش الرجل منهم الشقاء في تقلبات زمانك وغدر لياليك، كافح الحياة ليصلك ثابت الخطى حتى يرتاح في كنفك، تجرّع المرارة ما بين مرض أو فقر أو تشريد، ومع ذلك وصلك محطم الفؤاد معدوم الحال في نفس جريحة ذابلة لا طعم لها ولا لون، أتاك ليعيش معك السعادة ما بين سفر وراحة، وبين أولاد وأحفاد.

يرد عليه سن الأربعين قائلاً: هدّئ من روعك يا هذا فما ذنبي إن أتيتني محمّلاً بأخطائك في سن الشباب، فمن يأتيني سالماً يجد الراحة عندي، كما أنك مميز عندي، فقد ذُكرت في قوله تعالى: «حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ»، فما الذي يفزعك مني، أما تعلم أنك مميز من بين سنيّ العمر، ففي سن العاشرة بداية تكليفك وفي العشرين بداية استقلاليتك وفي الثلاثين وضوح الرؤية لديك وفي الخمسين تسرع الخطى لتدارك ما فاتك وفي الستين تحظى بكمال الوعي، أما في سن الأربعين فأنت مزيج بين كثير من الأشياء الجميلة، في روح الشباب واكتمال الفهم واستقرار القدرات واتخاذ القرارات، كما أنك قادر على التعايش مع كل الأعمار فتلاعب الطفل وتمازح المراهق وتحاور الشاب وتتعايش مع الشيخ الكبير.

يرد الأربعيني: صحيح ما قلت ولكن في أيامك تسلل الشيب إلى رأسي، وغاب عني أعز أحبابي وأنا في غمرة الشوق لهم.

يقاطعه سن الأربعين: ولكن تذكر أنك في سنيني تدرك قيمة الأشياء فانظر إلى والديك وكيف تستغل كل لحظة في رضاهم والجلوس معهم، وأيضاً أنظر إلى أولادك وقد نهضت أجسادهم وأصبحوا شباباً يافعين تعتمد عليهم.

يقول الأربعيني: أمّا ما قلته فهو أجمل شيء في الحياة، ولكن في أيامك غزتنا الأمراض فظهر فينا الضغط والسكري، وتبدأ رحلة علاجنا والبحث عن أفضل أطباء العالم.

يرد سن الأربعين: هذه سنّة الله في خلقه ولا ملك لي فيها، ولكن أنت في سني يحين أوان قطف الثمار إن كانت جيدة عشت الراحة معي، وإن كانت غير ذلك أكملت معاناة الشباب.

يرد الأربعيني: لعلمك لست وحدي من يعاني من سنينك فحتى المرأة تشتكي، فتبدأ عليها علامات الكبر ويشغلها هاجس الجمال وما أخذته من حسنها وبهائها، فتنصرف عنها أنظار المعجبين، وتشعر بخيبة الأمل.

يقاطعه سن الأربعين مغضباً: لا تتكلّم عن المرأة فهي عندي مميزة وهي معي في بداية السيادة فلديها كل مقومات النجاح كالقوة والثقة بالنفس والاستقلالية والإثارة التي تجعلها محط الأنظار، فهي ليست كالعشرينية الطائشة التي تلح في طلب المديح المستمر بل هي كلمة مدح واحدة تكفيها لتعرف قيمتها عند الرجل، وليست كالعشرينية كثيرة الطلبات والملولة، بل هي قنوعة مستقرة المزاج، وليست كالعشرينية التي تبحث عن التغيير في عالم التجميل، بل هي استغنت بجمالها عمّا يجمّلها.

ولا تطل عليّ نقاشك أيها الأربعيني فقبل أن أودعك أنصحك بأشياء الزمها فأنا أعرف كل البشر الذين عاشوا سنيني، فعليك بالصلاة عد إليها بقوة وحافظ عليها، وأيضاً احرص على رضى والديك والزم أقدامهما فالجنة معهما، ورافق أسرتك طيلة الوقت ولا تفارقهم، وأخيراً انتبه أن تأخذ وقتك ووقت غيرك فلا تتقمّص شخصية الشباب في هندامك فأنت في سن الوقار ولا أخطاء في سن الأربعين، فعش وقتك ودعهم يعيشون وقتهم.

 

Bn_lafi@hotmail.com