• تقييد المعتقلين في حلقات معدنية بالجدران وزنازين للحرمان من النوم
  • إدارة السجن تضع للمساجين لاصقات بدلاً من الحفاضات
  • المحقق: مفتاح واحد لإنارة كل الزنازين وقد اخترت إطفاء الإضاءة

هاف بوست عربي:

كشفت صحيفة الجارديان البريطانية عن تفاصيل مروعة عما كان يحدث داخل سجن «كوبالت» سيء السمعة في العاصمة الأفغانية كابل، ضدّ عناصر تنظيم القاعدة الذين تمّ القبض عليهم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

ونقلت الصحيفة عن تقرير صدر مؤخراً معلومات مهمة عن الانتهاكات التي كانت تمارَس ضد المعتقلين في هذا السجن، الذي كان يتكون من 20 زنزانة لاقى فيها عناصر القاعدة أنواعاً شتى من التعذيب لانتزاع اعترافات منهم، ما تسبب في وفاة عدد كبير من هؤلاء المعتقلين.

وبحسب الجارديان، كانت الزنازين عبارة عن صندوق خرساني مستقل، وفي 16 زنزانة منها، كان السجناء مُقيَّدين في حلقاتٍ معدنية بالجدران، وفي الزنزانات الأربع الأخرى المُصمَّمة للحرمان من النوم، كان السجناء يقفون ومعاصمهم مقيدة في قضبانٍ فوق رؤوسهم.

حفاضات ولواصق

كان السجناء في الزنزانات العادية لديهم دِلاءٌ من البلاستيك لقضاء حاجاتهم، أما السجناء المُعرَّضون للحرمان من النوم فكانوا يرتدون الحفاضات، وعندما لا تتوافر الحفاضات، كان الحراس يضعون الأشرطة اللاصقة على أجساد السجناء عوضاً عن الحفاضات، أو يقيدون السجناء بالسلاسل وهم عُراة في الزنازين. ولم تكن الزنازين مزودة بأنظمة تدفئة، وكانت مظلمة في أثناء الليل والنهار، والموسيقى الصاخبة تدوي على مدار الساعة.

وقد زعم جون بروس جيسين، وهو واحدٌ من اثنين من علماء النفس تعاقدت معهما وكالة الاستخبارات المركزية لتصميم «تقنيات الاستجواب المتطورة» لمحققٍ بوكالة الاستخبارات المركزية في يناير 2003، بعد شهرين من قيامه باستجواب سجينٍ يُدعَى غول رحمن أن الجو كان جيداً، لكن بعد 5 أيام من رحيله، عُثِرَ على رحمن عارياً من الخصر إلى الأسفل، ومكبلاً في أرضية الزنزانة الخرسانية الباردة، وميتاً في زنزانته جرَّاء انخفاض حرارة جسمه.

وتوصلت أسرة غول رحمن، ومعها محمد بن سعود وسليمان عبد الله سليم، وهما سجينان ناجيان من هذا الموقع الأسود الأفغاني، إلى تسويةٍ خارج المحكمة في دعوى قضائية رُفِعَت ضد جيسين وشخص آخر سعياً للحصول على تعويضٍ عن التعذيب.

وثائق مهمة

واضطرت وكالة الاستخبارات المركزية والبنتاجون إلى رفع السرية عن 274 وثيقة ونشرها عما كان يتعرض له المعتقلون في هذا السجن.

من بين أبرز هذه الوثائق وأكثرها كشفاً لما حدث، تقريرٌ قدمه محققو وكالة الاستخبارات المركزية إلى نائب مدير العمليات بالوكالة، جيمس بافيت، في 28 يناير 2003، بشأن وفاة غول رحمن بعد 69 يوماً فقط من افتتاح السجن.

وصُمِّمَت الزنازين في هذا السجن من أجل ممارسة أساليب الحرمان الحسي على السجناء وهو حرمان الشخص من المثيرات الخارجية العادية، مثل الصوت والضوء فترة من الوقت.

أمَّا بالنسبة للظلام في السجن، فعلم المحقق أنه كان هناك مفتاح واحد يتحكم في جميع مصابيح الإضاءة في عنبر الزنزانات، وكان أمامه إمَّا أن يختار إضاءة جميع المصابيح طوال الوقت وإما إطفاءها طوال الوقت، واختار الخيار الأخير.

مدير السجن، الذي حُجِبَ اسمه في الوثائق التي كُشِفَ عنها في الدعوى، لم تكن لديه أي خبرة بشأن إدارة السجون، ولم يعرف أنَّه سيُدير المنشأة إلَّا بعد 3 أيام من وصوله إلى سجن كوبالت.

زنزانات عازلة للصوت

وبحلول أبريل، كان جيسين يضع مخططاً للاستغلال يشمل احتجاز السجناء في زنزانات عازلة للصوت في مرافق سرية بعيدة عن متناول منظمات الصليب الأحمر، والصحافة، والمراقبين الأمريكيين والأجانب.

وتوثِّق بعض برقيات وكالة الاستخبارات المركزية، أنه في أثناء استجواب الوكالة السجين أبو زبيدة، غُمِر بالمياه 83 مرة على الأقل، في عام 2002، وكان أُلقِيَ القبض عليه بباكستان في شهر مارس.

تحمل مجموعة برقيات خاصة بتصميم صناديق الاحتجاز بعض العناوين على غرار تعليقاتٍ حول الأثر النفسي المحتمل لصندوق الاحتجاز في العملية من الألف إلى الياء، والمزيد من التعليقات عن البناء والتفاصيل المتعلقة بصندوق احتجاز إضافي لاستخدامه في أثناء الاستجواب المُقبل الذي سيخضع له أبو زبيدة.

وتصف بعض البرقيات الأخرى، بتفصيلٍ شديد، كيفية الجمع بين تقنيات الوكالة في جلسات استجواب فعلية، وتأثيرها المُحطِّم والمُهين للإنسانية.

وجاء في البرقية: جلس السجين على الأرض، وأدخل نفسه بسرعةٍ في الصندوق الصغير في الساعة العاشرة صباحاً دون احتجاجٍ أو تلقي تعليمات إضافية، وعلى مدار الساعات الثماني التالية، كان أبو زبيدة يُنقَل جيئةً وذهاباً بين صناديق الاحتجاز الكبيرة والصغيرة، بالإضافة إلى ضربه بعنف في أحد الجدران بتقنيةٍ معروفة باسم الاصطدام بالجدار.

الغمر بالمياه

ثم بدأ استخدام أدوات الغمر بالمياه، وقال المحقق مرةً أخرى: تعرف ما يتعين عليك فعله، وأخبره بأنَّه يمكنه إنهاء التعذيب إذا قال للمحققين ما يريدون معرفته.

بعد 6 أشهر، وتحديداً في شهري مارس وأبريل من عام 2002، انضم محمد بن سعود وسليمان عبد الله سالم إلى قائمةٍ مكونة من 39 شخصاً تعرَّضوا لتقنيات الاستجواب المتطورة.

وبعد شهرٍ من وفاة غول رحمن، زوّدت الزنزانات بـ10 سخانات تعمل بالغاز، ولكن لم يطرأ سوى تغييرٍ قليل على ما سماه جيسين روتين سجن كوبالت البغيض، وذلك في ظل استمرار احتجاز سالم وبن سعود في الظلام وتقييدهما طوال اليوم، وهما مُجرَّدان من ملابسهما في أغلب الأحيان، في حلقةٍ مُثبتة بأحد الجدران أو في قضيبٍ علوي بزنزانات الحرمان من النوم.

ولكن في أثناء جلسات الاستجواب، تعرَّضا كذلك لأساليب تعذيب تشمل ربطهما، وصفعهما، وضربهما، وغمرهما بالماء، إذ كانا يوضعان عاريَين وسط صفائح بلاستيكية ويُجبَران على الاستلقاء في بِرَكٍ من المياه الجليدية، ولساعاتٍ في صناديق الاحتجاز.

تعليق التعذيب

نُقِل أبو زبيدة ومجموعة صغيرة من الأشخاص الآخرين الذين تعرَّضوا للتعذيب بالمواقع السوداء بهدوءٍ إلى جوانتانامو في سبتمبر 2003، ثم نُقِلوا مرةً أخرى إلى منشآتٍ خاضعة لسيطرة وكالة الاستخبارات المركزية خارج البلاد بعد 6 أشهر، قُبيل أن تحكم المحكمة العليا بأحقية سجناء جوانتانامو في رفع دعاوى قضائية أمام محاكم أمريكية.

وبعد ذلك، مر عامان آخران ونصف العام قبل نقل أبو زبيدة و13 شخصاً آخرين تعرَّضوا لأسوأ أساليب التعذيب إلى جوانتانامو للبقاء هناك.

وبين عامي 2003 و2007، عُلِّقت سلطة استخدام تقنيات التعذيب الوحشي عدة مرات، وأُعيد النظر في شرعيتها وفاعليتها.

وفي أكتوبر 2006، استعرض محققون بارزون، وعلماء نفس، ومديرون في وكالة الاستخبارات المركزية جميع تقنيات الاستجواب المتطورة المُصرح بها، وأعدَّوا قائمةً جديدة تتوافق مع قانون اللجان العسكرية الذي كان قد صدر مؤخراً لعرضها على الكونجرس.

أول اعتراف رسمي

وأسفرت التسوية التي توصل إليها أطراف الدعوى القضائية الشهر الماضي عن أول اعترافٍ رسمي بأنَّ هناك رجالاً أُوذوا بسبب عمليات الاستجواب المتطورة في المواقع السوداء التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بادرةٍ هي الأولى من نوعها فيما يتعلق بتعويض بعض ضحايا برامج التعذيب التابعة للوكالة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وبعد مرور 15 عاماً على تجمُّد غول رحمن حتى الموت في زنزانةٍ مظلمة، أكَّدت الأدلة التي جُمعت في أثناء الإجراءات التي سبقت المحاكمة مدى وحشية أساليب التعذيب وعدم جدواها.