بقلم - جهاد فاضل:

إذا ذُكرت عبارة «النكبة» وحدها تداعت فلسطين إلى الذهن على الفور. فعلى الرغم مما سجله تاريخ العرب المعاصر من كوارث وهزائم في بلدان عربية كثيرة، فإن عبارة «النكبة» تختص بفلسطين أو تُلحق بها استناداً إلى المأساة التي حلّت بها عام ١٩٤٨ والمستمرة إلى اليوم، وبالفعل يُستحق ما حلّ بفلسطين صفة النكبة بالنظر لهول ما حدث، وبالنظر أيضاً إلى نتائجه الكارثية لا على فلسطين وحدها بل على العرب في شتى ديارهم، ذلك أن الأفق الوطني والقومي قد أقفل وما ذاك إلا لأن فلسطين ضاعت ولأنه لا عرب ولا عروبة ولا وحدة عربية ولا مشروع للنهضة والتقدم وهذا الخنجر المسموم مغروس في قلب فلسطين والعرب والمنطقة.

ولكن ظنّ العرب أن فلسطين هي نكبتهم الوحيدة في تاريخهم الحديث، لم يكن في محله، فالنكبات كثيرة هنا وهناك، ولكن أقساها على القلب وأكثرها هولاً على العرب ومستقبلهم بعد نكبة فلسطين هي نكبة سوريا، وسواء اعتبرنا أن بداية هذه النكبة الأخيرة عام ٢٠١١، عام اندلاع الثورة السورية، أو عام ١٩٦٨، عام وصول ابن الطائفة العلوية حافظ الأسد إلى السلطة، فإن ما حصل في سوريا في الخمسين سنة الماضية، وفي السنوات الأخيرة على الخصوص لا يقلّ عما حصل في فلسطين أو لفلسطين، فقدت سوريا ذاتها كبلدٍ عربي إسلامي كما حصل لفلسطين، وقد يكون وضع فلسطين أفضل. ذلك أن الروح الفلسطينية ما تزال حية في مناطق فلسطين العربية، في حين أن الروح السورية مُطفأة، أو شبه مُطفأة ومشتتة وممزقة، ولا قدرة لأصحابها على فعل شيء ما لنجدة هذه الروح وإضاءتها، وسواء صحّ هذا التوصيف أو لم يصّح، فإن أحداً لا يختلف على أن الشام التي عرفها العرب زمن القوتلي وناظم القدسي وأكرم الحوراني وسائر هؤلاء القادة، لم تعد هي الشام الحالية، فخلال الخمسين سنة الماضية لم تكن سوريا سورية وعربية وإسلامية إلا في الإعلام والإذاعات والصحف والتلفزيونات، في حين كان خراجها يعود لا للقضية المنذورة لها سوريا، بل لقضايا أخرى لا تمتْ إلى الغايات والأهداف التي عُرفت بها سوريا، وقد خُيّل للكثيرين أن الثورة السورية الحالية ستعيد سوريا إلى مسارها القومي الذي كانت عليه قبل عهد حافظ الأسد وابنه، فإذا بتطور الأحداث يثبت أن سوريا لم تعد ملك السوريين، بل ملك جهات ودول أجنبية، وأن الدنيا كلها تزول ولا يزول نظامها الطائفي الحالي المؤيد دولياً. وزاد في الطين بلّة كما يقال، الخراب والدمار الذي حلّ بالعمران فيها والذي لم يعرف له التاريخ مثيلاً. صحيح أن ألمانيا نُكبت في الحربين العالميتين، وانهارت مدنها وسوّيت بالأرض، ثم أعاد الألمان بناءها، ولكنهم الألمان بقدراتهم وكفاءتهم وعظمتهم، فهل الشعب السوري الفقير والمتخلف والمشرد الذي عوّده النظام على حياة القرون الوسطى، يستطيع أن يقوم بما قام به الشعب الألماني ؟.

نكبة فلسطين نكبة موجعة أصابت قلب العرب في الصميم، ولكن النكبة السورية الحالية أجهزت على كل أحلام هذا القلب وصبواته، إن لم يكن عليه هو بالذات، فلا قضية عربية بدون سوريا، ولا فلسطين أيضاً بدونها، وعندما خرجت سوريا من العمل العربي، واكتفى حاكمها بالغلو الكاذب وبالشعارات الجوفاء، أجهزت إسرائيل على ما تبقى من فلسطين، وبدأت تتحدث علناً عن ضم الجولان إلى أراضيها، والجولان مضموم بالفعل إليها، وبشكل نهائي، منذ أمد بعيد.

نكبة سوريا لم تتضح آثارها كلّها بعد، فبعد حين لن يعود الحديث عن سوريا، بل عن «الاتحاد السوري» المؤلف من دويلات وكانتونات طائفية وعرقية.

وسيليها «الاتحاد العراقي» المؤلف من نفس الدويلات والكانتونات، إنه الشرق الأوسط الجديد المتلألئة نجمته من الجنوب، أي جنوب سوريا سابقاً، فلسطين التي أصبح اسمها، الآن إسرائيل.

ثمة نكبة كبرى عرفها العرب في تاريخهم القديم هي نكبة الأندلس التي أخرجت العرب من التاريخ لا من إسبانيا فقط، كان ذلك في نهاية زمن الحضارة العربية لا في مستهل هذه الحضارة التي عمّرت ألف سنة تقريباً. أما نكبة فلسطين، ومعها نكبة سوريا، فقد حالتا دون استكمال العرب لدخول العصر الحديث، منعتا أي تفكير بتجديد نمط الحياة، وأي سعي نحو وحدة العرب القومية، وعلى الأرجح لم ينته بعد ما تخططه القوى الدولية النافذة لإلحاق الأذى الذي لا يُجبر بهم، وقد يكون العراق هو المؤهل أكثر من سواه، ولأسباب لا تُحصى، لتحقيق نكبته أيضاً، وسواء صحّ هذا التوقع، أم لم يصحّ، ونأمل ألا يصحّ، فإن نكبة سوريا ونكبة فلسطين سدّدتا

ضربة موجعة إن لم تكن قاتلة لأحلام العرب التي لا محل لها بعد اليوم إلا في الأناشيد والأشعار.

 

كاتب لبناني