بقلم/ توجان فيصل - كاتبة أردنية :

مشكلة جزيرتي صنافير وتيران التي أثارت غضباً شعبياً مصرياً، مشكلة مصرية، والمصريون أقدر على توليها بخبراتهم السياسية والتشريعية. فيما تملك عرب لأراضٍ وعقارات في دولة عربية لأغراض الإقامة أو الاستثمار لا يُشكّل أية مشكلة بحد ذاته، بل هو مُطبّق في أغلب دول العالم إن ترافق مع المُعاملة بالمثل. وهذا متوفّر بين أغلب الدول العربية، لا بل إن مثله يتوفر في دول متقدّمة، بدلالة ما يملكه عرب من عقارات في أوروبا خاصة في بريطانيا.

ولكن قوانين العالم المتقدِّم (الحر)، تتحوّط أولاً، لجهة عدم وضع ثروات وطنية رئيسة أو سلع وخدمات أساسية في أيدي الآخرين بمنحها القرار بشأنها كلياً أو بنسبة يمكن أن تصبح «معطّلة» أو مؤثّرة سلباً على توفر الخدمة أو السلعة تحت أي ظرف اقتصادي أو سياسي. وثانياً: لا يجري «تمليك» المستثمر ما لا يَدفع ثمنه، خاصة لجهة الثروة ذاتها (تكون له حصة فقط في ما يستخرجه أو يصنّعه منها)، وكذلك الأرض اللازمة للمنشأة الاستثمارية، والتي يربط امتلاكها (مدفوع الثمن) بالمشروع وينتهي بانتهاء المشروع المقام عليها.

فشتان ما بين الخصخصة والبيع البخس أو الوهب. والأخيران لا يجوز تقديمهما للمستثمر الرأسمالي وإن كان من مواطني البلد. فالمستثمر يتأهل ابتداءً بقدرته المالية كما لقدراته الفنيّة على تنفيذ المشروع. وهكذا وهبٌ مُحابي للرأسماليين يُوسّع الهوة بين الفقراء والأغنياء، ويُفاقم ويأزم، بل وينتج مشاكل فروق طبقية ومشاكل معيشية تصل حتماً «للأمنية» بدءاً بالجريمة ووصولاً للثورة. وحقيقة أنها وصلت لهذا، تدل عليه ثلاثية مطالب ثورات الربيع العربي «عيش/ خبز وحريّة وكرامة»، ولكونه إن غاب الخبز ستغيّب معه الحريّة والكرامة بدرجة تجعل (وسبق أن جعلت في ذات تلك الثورات) المحرومين من الحريّة والكرامة يضحّون بحياتهم في طلبهما.. وليس صدفة أن كلمة «عيش» تحمل معنيين.

والمزيد من عوامل التثوير هو آخر ما يلزم الحكومات زمن الثورات. ولكون الثورات أمراً سياسياً، فإن المكوّن المعيشي ليس وحده ما يجب على الأنظمة العربية الحذر بشأنه. فهنالك حذر تلتزم به الدول المتقدّمة والمستقرّة سياسياً، بشأن تمليك أراضٍ لمواطني دول أخرى على قاعدة المعاملة بالمثل، إذ تحدّد ما لا يجوز تمليكه بتاتاً. وذات قوانين مصر كانت نصّت على هذا إذ منعت تمليك «المناطق الإستراتيجية ذات الأهمية العسكرية أو المناطق المتاخمة لحدود جمهورية مصر، أو الجزر الواقعة في البحر الأحمر، أو المحميات الطبيعية والمناطق الأثرية وحرمها».

والخوف الذي نشأ في مصر ويتسارع تحوٌله لغضب هو تحديداً لكونه في عهد السيسي، صدر تعديل للقانون رقم 14 (للاستثمار) بالقانون رقم 95 لسنة 2015، لم يتح فقط توسعاً في التمليك تحت عنوان «الاستثمار» و»التنمية المتكاملة لشبه جزيرة سيناء»، بل أعطى لرئيس الجمهورية حق القيام باستثناءات «لأسباب يقدّرها» لأحكام القانون «بعد أخذ موافقة وزارتي الدفاع والداخلية والمخابرات العامة» منها ما يتعلق بحصة المستثمر غير المصري وما يتعلق بالمناطق التي تملّك أراضيها. وهو ما لا يجوز في أية دولة ديمقراطية كونه يُعد تعدياً من السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب. وبعد أن اختلط المسبّب المعيشي للغضب الشعبي بالسياسي المتعلق بالديمقراطية، يبرز هنا تخوُف وطني - قومي ذو امتداد إقليمي في كامل الدول المحيطة بإسرائيل. فإسرائيل قامت بزعم أحقيّة تاريخية دينية بأرض لا تقبل تحديد حدودها في دستور تضعه. فيما عَلمُها يصوره بين نهري الأردن والنيل، وأساطيرها المؤسّسة لفكرة الدولة اليهودية، والمُترجمة لأناشيد وشعارات تقول «الضفة الغربية لنهر الأردن لنا، وكذلك الشرقية»! وتزخر بزعم حقها في مصر والذي يبدأ بسيناء ولكنة لا يتوقف عندها.. والأهم في الخطط العملية لزعم ملكية كل هذا، هو شراء أراضٍ مهما صغرت وتفرّقت، ثم احتلال ما بينها بزعم ضرورة تواصلها. فإسرائيل وحدها من يزعم أن شراء أرض يستتبعه سيادة سياسية على تلك الأرض.. مما سنأتي له في مقالة أخرى. هذا ما يجعل أية «رخاوة»، ناهيك عن فساد في بيوعات لأراضٍ عربية في محيط إسرائيل، أمراً على درجة عالية من الخطورة. والخطورة ليست في بيع أرض لملك أو أمير أو مواطن عربي، بل في تقنين خرق القوانين الضامنة لحدود وطبيعة البيع .. والأمر قديم ومتجدّد وذو شجون لا يسعه مقال واحد.