تخلّت عنه والدته فتبنّته عائلة عاملته بقسوة وسجنته في قبو

عائدات كتابه يمكن أن تتيح له حياة مريحة

جان روفول: على المرفهين التضامن مع الفقراء لأنهم قد يصبحون متسوّلين

ترجمة - كريم المالكي:

قادته الصدفة المحضة ليتحوّل من شحّاذ يتسوّل في شوارع باريس إلى عالم الأدب والشهرة. فبعد لقاء، لا يتحقّق إلا بالأحلام، كان في وقته، جان ماري روفول، مُشرّداً يعاني شظف العيش، تغيّرت حياته رأساً على عقب فجأة، علماً أن أفضل ما كان في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته، هو التشرّد كونه من المتسوّلين الدائمين تحت ظلال قوس النصر.

وليس هذا، وحسب فقد كان، الشحّاذ الفرنسيّ روفول، وجهاً مألوفاً للأثرياء والمشاهير الذين يتردّدون على محلات الأزياء والمتاجر الفاخرة في الشانزليزيه. وكان بعضهم يتجاهل نداءاته المهذبة، ويمرون من أمامه مسرعين ناظرين إلى الجهة الأخرى من الطريق. فيما يتوقف آخرون لإلقاء عملة نقدية صغيرة أو عملتين، أو حتى ورقة نقدية كبيرة في وعاء بلاستيكي يضعه إلى جواره، وكان زوجان من المشاهير قد عرضا عليه المشاركة في أجزاء من أفلامهم.

بعد سنين من المعاناة، أصبح روفول، اليوم، على عتبة حياة جديدة جعلت من أهله الذين تنكّروا له يتودّدون إليه. كما أنه قرّر بعد تجربة حياته المريرة في الشوارع أن يواصل نجاحه ولا يلتفت للوراء.

اللقاء والمعجزة

بعد لقاء عابر مع وزير الداخلية الفرنسيّ الأسبق جان لوي دوبريه، حصل روفول على مساعدة منه لنشر مذكراته التي كتبها عن السنوات التي قضاها وهو يعاني شظف العيش كمتشرّد في شوارع باريس، ومن هنا شهدت حياته تحوّلاً يصفه هو بـ "المعجزة".

واليوم يمكن للعائدات التي جناها من كتابه، الذي بيعت منه 50 ألف نسخة، وهو ثالث كتاب في قائمة الأمازون للكتب الأكثر مبيعاً في "المجتمع الفرنسي"، يمكن أن تتيح لروفول بمفردها شراء شقة، والبحث عن وظيفة، وكذلك مواصلة الكتابة وهو ما يفعله حالياً.

ويقول روفول: لقد مُنحت فرصة للحياة، إنها معجزة بالنسبة لي وليس لدي أي رغبة في العودة إلى الشارع ثانية، لا أريد أن أخيب ظنّ من ساعدوني ووثقوا بي، لذا سأبحث عن وظيفة، حتى لو كغاسل صحون في مطعم، لقد جاء الآن دوري لمساعدة من في الشارع. يمكن لأيّ شخص أن يجد نفسه يعاني من شظف العيش، ويمكن أن تكون مديراً وتفقد وظيفتك، أو تعاني من حريق أو كارثة، أو يكون لديك، فجأة، معاش صغير لا تستطيع العيش به. نعم على أولئك الذين ليسوا في الشوارع أن يتعلموا المزيد من التضامن لأنهم يمكن أن يكونوا فيه وبسهولة.

هامش من الفقر

يضيف روفول: لقد كتب الكاتب البريطاني جورج أورويل في أول عمل رئيسيّ له "السقوط والخروج في باريس ولندن"، الذي صدر قبل أكثر من 80 عاماً مضت" أشعر بأنني لم أرَ سوى هامش من الفقر"، ومع أنني كذلك، يمكن أن أشير إلى شيء أو شيئين مما تعلمته من خلال عيشي حياة الحرمان والضنك، هو أنه ألا يجب علي أن أظنّ مرة أخرى أن جميع الصعاليك هم أوغاد وسكارى، ولا أتوقّع أن يكون المتسول ممتناً عندما يعطيه شخص ما قرشاً، ولا أتفاجأ إذا ما كان الرجال العاطلون يفتقدون للطاقة والرغبة، أو الاستمتاع بتناول وجبة في مطعم جيد، تلك هي بداية الطريق.

إن روفول ابن الـ 48 عاماً ليس جورج أورويل. ولكن مذكراته حول الحياة في شوارع العاصمة الفرنسية، (أنا أتسول)، تبين أن شيئاً لم يتغير بالنسبة لأولئك الذين يعيشون الحياة في الشارع.

التبني والضياع والفوضى

ويكتب روفول: لم أتصوّر أن مهنتي ستكون التسوّل في شوارع باريس، وأن أتسوّل لكي أعيش وأبقى على قيد الحياة، لم أفكر أبداً بأنني سأرغم على النوم ليلاً في الشارع، عند سلالم المترو .. وبطبيعة الحال، أنا مسؤول عما حدث لي، ولكن عموماً حياتي لم تبدأ بشكل جيد. وهذا ليس عذراً: إنها الحقيقة.

ولد روفول في باريس قبل الانتفاضات الطلابية التي اندلعت في مايو 1968، وقد تخلت والدته عنه وأرسله والده إلى أبوين بالتبني ليعيش معهما في الريف. وعلى متن القطار الذاهب للريف، كتب روفول ما يلي: كنت سعيداً، ومقتنعاً بأنني سأشاهد الفيلة، وواصلت النظر من النافذة علي أراها.

لم تقتصر خيبة أمل الشاب روفول بعدم وجود الفيلة في الريف الفرنسي، بل إن أمه التي تبنته كانت قاسية وعنيفة، وكانت تقدم له الخبز والماء، وتسجنه في قبو مظلم، ويقول روفول: لم تكن هناك هدايا، ولا حب، ولا طعام؛ هؤلاء الناس كان يُدفَع لهم لتربية الأطفال لذلك كنت مجرد دخل مادي بالنسبة لهم.

العيش مع الجرذان

حتى عندما أعاده والده في نهاية المطاف إلى باريس، ظلّ روفول في فترة المراهقة يعيش الفوضى، كان يتغيب عن المدرسة ويهرب من المنزل بشكل مستمرّ، وببلوغه الـ 20، بعد فترات الجنوح الصغيرة والفترة القصيرة التي قضاها في الخدمة العسكرية، تحوّل إلى أن يكون شخصية بارعة بالفعل في مكابدة شظف العيش.

ويروي روفول كيف كان يقضى لياليه في أنفاق المترو مع "جرذان بحجم القطط"، وكان يستيقظ في بعض الأحيان ليكتشف أن ممتلكاته الضئيلة، قد سُرقت، "حقيبتيه وحتى حذائه".

صديق لوزير الداخلية

تغيّرت حياة روفول بعد أن عُرض عليه الاهتمام بدراجة تابعة لوزير الداخلية الفرنسي الأسبق جان لوي دوبريه، (72 عاماً) في الشانزليزيه. وبعد أن تجاذب الاثنان أطراف الحديث، صادق دوبريه روفول وشجّعه على كتابة تجاربه.

وحينما كان لا يتسوّل، كان روفول يجلس في متنزه محلي ويخربش ذكرياته في دفتر ملاحظات، ومن ثم سلمها إلى دوبريه ليقوم بتعديلها. وعندما أشار إلى أنه لم يحصل إلا على القليل من التعليم الرسمي، نصحه دوبريه بألا يقلق بشأن الإملاء أو القواعد ولكن فقط عليه الكتابة.

ويوضح دوبريه في مقدمة الكتاب: قلت له إن بقية الأشياء ليست مهمة، أريد فقط أن أفهم حياته، لماذا يتسوّل، ولماذا فقط بعض المشاهير أو أولئك الذين يدعون أنهم سياسيون ونجوم تلفزيون وإذاعة وسينما يسمح لهم الكشف عن ماضيهم، والكتابة أو أو يقومون بتحرير سيرهم الذاتية ؟ هل أولئك المجهولون ليس لديهم شيء جدير بالاهتمام كي يقولوه؟ ويختم دوبريه أن روفول قد علمني أكثر مما قدمت له.

من العزلة للأسرة

وقد نشر كتاب مذكرات روفول في عام 2015، لكنه لم يحصل على شيك بالعائد المادي مباشرة، ليتمكن من بدء حياته الجديدة إلا قبل شهرين تقريباً. كما ظهر الكتاب في نسخته الورقية في نوفمبر الماضي.

وحالياً، يشيد روفول بصديقه دوبريه (الوزير السابق) ويعتبره المخلص، حيث يقول: قبل عامين، لم أكن أتصوّر أبداً أن أكون ما أنا عليه الآن. والغريب أن شخصاً مثل "جان لويس" والدي الذي لم أشاهده من قبل، لا يزال يرنّ علي في كثير من الأحيان ولا يتركني. وقال لي إن حياتي بدأت بالصعود، والآن أنا أقف على قدمي والأمر متروك لي للمحافظة على استمرارية ذلك. أي أنه يريدني أن أواصل ما بلغته.. وبفضل هذا الكتاب، فقد التقى روفول بواحد من إخوته المفقودين منذ زمن طويل. ويقول روفول: رآني على التلفزيون ولم يعلم أنني كنت مشرداً. عندما تكون في الشوارع، تشعر بالخجل وتتقوقع على نفسك. الآن لدي بنات أخ وأبناء أخ يريدون رؤيتي، في وقت كنت قضيت فيه طوال عمري وحيداً.

لقد اتخذ روفول قراره في السنة الجديدة منذ مدة بسيطة، من أنه لن يعود أبداً إلى الشوارع، وينوي المواصلة دون توقف.

عن صحيفة الجارديان البريطانية