البياتي: عانيت الموت آلاف المرات ورأيته بأم عيني

استخدم أسلوب القناع في قصيدة «عين الشمس»

بقلم - جهاد فاضل:

يعرض الباحث المصري الدكتور عبدالناصر حسن في كتاب حديث له صادر عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر لتجليات الحداثة عند عبدالوهاب البياتي، الشاعر العراقي البارز في النصف الثاني من القرن العشرين والذي يُعتبر مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة الثلاثي الذهبي للشعر العراقي الحديث، أو للشعر الحّر أو لشعر التفعيلة، وكلّها من التسميات التي سُمّي بها الشعر الجديد في تلك المرحلة.

وكان البياتي من نجوم هذا الشعر الجديد يومها وقد ازداد تألقه بسبب الإعلام الثقافي اليساري الذي كان يناصره إلى أن انحسر نفوذ هذا الإعلام لاحقا وانحسر كذلك إلى حد بعيد نفوذ الشاعر نفسه، وبقي بدر شاكر السياب وحده تقريباً كممثل أساسي لحركة الشعر الحديث في الخمسينيات وما بعدها.

ولكن البياتي لم يعدم من يعود إلى شعره بين وقت وآخر وأن يسائل هذا الشعر ويجلو محاسنه ويبحث عن مكانه الحقيقي كما فعل الدكتور عبدالناصر حسن في كتابه «تجليات الشعرية عند عبدالوهاب البياتي» على ضوء مبادئ النقد الحديث في الغرب بصورة خاصة، فوجد الكثير من تجليات الشعرية عنده، مخصصاً مباحث ضافية في كتاب مؤلف من ٤٠٠ صفحة موزع على موضوعات كثيرة منها توظيف الشخصية التراثية، والأقنعة، والحب والزمن.

ليلى والمجنون

توظيف الشخصية التراثية في الشعر توظيف معروف عند شعراء عرب كثيرين، كلاسيكيين ومحدثين، منهم الشاعر صلاح عبدالصبور الذي اتخذ من شخصية الشيخ محيي الدين بن عربي معادلا رمزياً لقضيته، كذلك فعل البياتي الذي استطاع أن يوظف شخصيتين من الشخصيات المتلازمة في أشهر قصة حب في التراث العربي هي قصة ليلى والمجنون، والحق أن بواكير رمز المرأة في شعر الحب العرفاني إنما تكمن في طائفة من الأشعار والروايات التي تناقلها الرواة عن شخصية قيس بن الملوح أو مجنون ليلى باعتبار أن شعره يمثل تيار الغزل العذري العفيف أصدق ما يكون التمثيل.

وقد استطاع البياتي أن يستغل مزيجاً من التشابه والاختلاف بين واقع شخصية كل من ليلى والمجنون وبين واقعه المعاصر ليشكل بنية تجربته الشعرية في عدد من المقاصد، وقد مزج بين ليلى العامرية وبين رمزه المفضل «عائشة» عن طريق آلية تناصية هي آلية الاستدعاء بالدور في أكثر من موضع، في ديوانه الأول نجد طفلة ترعى إليهم في جبل التوباد:

أني عشقتك في الخيال

من قبل كنا أو نكون

من قبل أن تصبو العيون

ويظهر الاقتران بين «عائشة» و«ليلى» عن طريق آلية الاستدعاء بالاسم الصريح في قصيدة «الرحيل إلى مدن العشق»:

تبكي ليلى المجنون وعائشة تبكي الخيام

«المجنون /‏ العاشق»

وكما جسّد البياتي شخصية ليلى العامرية في رمز عائشة، كذلك تكررت شخصية «المجنون /‏ العاشق» في شعره من خلال سياقات ذات طابع إشراقي تبرز فيه التجليات الروحية والعرفانية.

ففي قصيدة «الأميرة والغجري» تتجسد صورة هذا المجنون العاشق أكثر من مرة:

مجنونا كنت أنادي باسمك: كل الأسماء

كل المعبودات وكل زهور الغابات

كل نساء العالم في كتب التاريخ وفي كل اللوحات

وهو حاول أن يرفع هذا الحب الذي يهيم به عاشقا مجنونا إلى مكانة مرتفعة حين يجعل منه حبا ميتافيزيقيا يتعالى على كل حب طبيعي:

حبي أكبر مني

من هذا العالم

فالعشاق الفقراء

نصبّوني ملكاً للرؤيا

وإماما للغربة والمنفى

ويظهر الشعر متقنعاً بالمجنون عبر آلية الاستدعاء باللقب:

قالت ما أقسى حين يغيب النجم عذابُ العشاق

أو حين يموت البحر، انتظريني، قال المجنون، وظلّي

ميتةً بين الموتى، واقتربي من ضوء الشمعة إن

الله يرانا ويرى وجهي الخائف مقتربا من وجهك

محموما تحت نقاب الدمع اقتربي، فدموعك

في شفتي ملح البحر وطعم رغيف الخبز انتظريني

قال المجنون

أسلوب القناع

أما أسلوب القناع فقد ظهر عند رواد الشعر الحديث واتسع أسلوبهم ليشمل القصيدة بكاملها، ومن هذه القصائد قصيدة «عين الشمس» للبياتي التي يستخدم فيها أسلوب القناع وسيلة فنية للتعبير عن وحدة الوجود في وحدة الشهود.

وتشكل آلية الاستدعاء الدور الأساسي الفني في إبراز شخصية القناع، وعبرها يقوم الشاعر بنقل صفات ومواقف مستمرة لشخصية القناع تضيف إلى أبعادها التاريخية والرمزية أبعاداً عصرية، وعبر آلية الاستدعاء بالدور تبدأ القصيدة بإبراز شخصية الشيخ محيي الدين صاحب «ترجمان الأشواق».

أحمل قاسيون

غزالة تعدو وراء القمر الأخضر في الديجور

ووردة أرشق فيها فرس المحبوب

وحملا يثغو وأبجدية

أنظمة قصيدة فترتمي دمشق في ذراعه قلادة من نور

أحمل قاسيون

تفاحة أقضمها

وصورة أقضمّها

تحت قميص الصوف

وقد استطاع البياتي أن يوفق في قصيدته بين الأسطوري والعرفاني في رمز الغزالة بحيث جعلها تجسيداً لأحوال روحية ذات طابع عرفاني، كما أنه أضفى عليها طابعا أسطوريا حيث تعدو هذه الغزالة خلف القمر الأخضر في الديجور.

أما القمر الأخضر فهو رمز للخلاص والأمل، يصبح الديجور هنا مقابلاً رمزياً للظلم فتكون الدلالة أن الشاعر يحمل المعرفة الإلهية في هذا العالم كما يحمل الغزال في القفر المظلم، لكن معرفة الشاعر تنثر الأمل فخلاص العالم من شقائه، ولا يتم ذلك إلا حين تظهر تجليات الواجد في مخلوقاته:

كلمني السيد والعاشق والمملوك

والبرق والسحابة

والقطب والمريد

وصاحب الجلالة

أهدى إليّ بعد أن كاشفني غزالة

لكنني أطلقتها تعدو وراء النور في مدائن الأعماق

فاصطادها الأغراب وهي في مراعي الوطن المفقود!

الصراع بين الحب والموت

وإذا رحنا نستكشف علاقة الحب بالزمن /‏الموت في شعر البياتي، فإنه لا بد لنا في البداية من الإيمان بأن الصراع بين الزمن بوضعه تاريخاً أو واقعاً وبين الزمن بوصفه حضوراً أبدياً سيظل مستمراً مهما وصلت إليه الإنسانية من تطور ورقي حتى يبلغ الإنسان مرحلة يعتبر الموت فيها جزءاً ضرورياً من الحياة، أو بتعبير آخر رحلة ما بعد الموت فيها صانعاً للحياة، وهو تأكيد لفكرة الصيرورة أو التحولات التي طالما واجهتنا في نصوص البياتي الشعرية، إن الدارس لهذه النصوص يلاحظ أنها تطرح فكرة الصراع بين الحب والموت في إطار مفهومين زمنيين لهذا الصراع: الأول مفهوم تاريخي يرى أن الحب يصيبه عطب الموت، على حد تعبير البياتي والآخر مفهوم يرتبط بالديالكتيك الوجودي للحب بحيث تبدو عظمة الحب في موته وبعثه المستمرين نوعا من الوحدة المطلقة التي تخلق التجدد في نفسها خلال عدد لا نهائي من الموت والبعث.

المفهوم الأول مفهوم تشاؤمي جاء ليجد مرحلة بعينها من شعر البياتي هي مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي التي رأى فيها البياتي أن الواقع الإنساني واقع محطم يخيم عليه اليأس، حاول البياتي أن يصور هذا الدمار الشامل والعقم الذي كان يسود الأشياء، دون البحث عن أسباب هذا العقم، وتتضح لنا هذه النظرة التشاؤمية في تعثر الحب وعدميته في مواجهة الموت، في ديوانه الأول «أباريق مهشمة» ومن خلال قصيدة بعنوان (طيفها) حيث يعكس الشاعر إحساس بوأد الحب وعطبه حين يحلّ الموت:

يا طيفها نوافذي أُغلقت

وأطفئت أنوارها بعدها

مرّ ربيعان وعادا ولم

تحمل إلى مقبرتي وردها

وإذا كان الربيع هو فصل الخصوبة ورمزاً لعودة الحياة في أسطورة تموز، فإن هذه العودة للحب والخصب والحياة لن تحدث بتكرار مرور وقت الخصوبة (الربيع) كما أن الفعل المضارع المنفي يوحي بأن القبر (الموت) استطاع أن يقتل الحب، أو يمنع وردها (أي الحياة) عن العودة.

الدفاع عن الإنسان

وينقل الباحث عن أحد النقاد قوله في شعر البياتي: «كان في كل الأوقات عبارة عن سؤال مقلق حول مصير الإنسان وأسراره الأكثر نقاء، ورموزه وأقداره، وقد نصّب نفسه مدافعا عن الإنسان ضد قوى الظلام المضاعفة التي تضايقه وتحاصره محاولاً إنقاذ قيمه الفردية والجماعية الأكثر إيجابية».

وإذا سلّمنا جدلاً بتنوع الأساليب الشعرية المعاصرة إلى حسية وحيوية ودرامية ورؤيوية وتجريدية، فإن أقرب هذه الأساليب الحقيقة الإنسانية وتسجيل صراعها مع قضايا مثل قضية الحياة والموت هو الأسلوب الرؤيوي الذي انتهجه البياتي أمدا غير قصير في شعره، إنه الشاعر الذي ظلّ يحدّق في الشرط الإنساني للمواطن العربي حتى استحالت الصورة في مخيلته إلى رؤية لهذا الشرط في كل العصور.

وإذا كان كثير من الشعراء في العصر الحديث شكلت قضية الصراع بين الموت والحياة محوراً جوهرياً في شعرهم مثل أبو القاسم الشابي والسياب وخليل حاوي، فإن البياتي هو الشاعر الوحيد الذي استطاع أن يجعل من الموت والحياة هاجساً أصيلاً يمتد في شعره بعمق ووعي شديدين.

يقول البياتي: «لقد غمرت الرؤية المتمردة كل المواضيع الشعرية التي كتبت فيها، فالموت المجاني الذي يضرب ضحيته دونما سبب مفهوم، ذلك الموت الذي كان أشد بروزاً في (أباريق مهشمة) هذا الموت كان لا بد من فهمه، وكان فهمه هو التمرد عليه».

وفي دواوينه: (المجد للأطفال والزيتون) و(أشعار في المنفى) و(عشرون قصيدة من برلين) و(كلمات لا تموت) كان هناك الموت من أجل الحرية.

التحول عبر التجدد

وكان من ثمرات تحدي البياتي للموت والثورة عليه، انتصاراً للحياة أن يبحث عن خلاص من هذا الموت، ولم يجد البياتي هذا الخلاص ممكنا إلا عبر مفهوم الصيرورة، أو التحول عبر التجدد، رأى البياتي أن الفكرة عندما تستمر بنفس النمط والأسلوب تُصاب بالعجز والموت، فلا بد من حركة، ولا بد من فكرة على رمادها تولد العنقاء.

إذن فلن يكون في الحياة معنى أو قيمة إن لم نفهمها على أساس مبدأ التحول الذي يتسع ليشمل كل حركة يصنعها الإنسان أو يقع في وجهها، فالتحول النفسي والتحول الثقافي والتحول العلمي كلها نتاج سعيد للإنسان لأنها تغيير وتحريك إلى الإمام.

هذه التحولات تمنح الحياة ديمومتها متجاوزة الموت في رحلة مستمرة، إنها تجسيد نهائي لإيقاع الوجود نفسه بأثره، فالأرض تدور على نقطة البدء حول نفسها وحول الشمس، والمجرة الشمسية كلها تتحرك مستديرة نحو مبدئها، وتنطلق منه لتعود إليه، والقمر ينشأ صغيراً لينمو حتى إذا ما تم له النمو أخذ بالعودة نحو مبدئه، وكذا البحر يمدّ ليجذر بعد مد، وما الإنسان إلا ذرة في هذا الوسط المهول: بدء، نموّ، عودة!.

وعنده أن الخلاص بالشعر:

أولد في مدنٍ لم تولد

لكني في ليل خريف المدن العربية

مكسور القلب أموت

أدفن في غرناطة حبي وأقول:

«لا غالب إلا الحبّ»

وأحرق شعري وأموت

وعلى أرصفة المنفى

أنهض من بعد الموت

لأولد في مدن لم تولد وأموت!

وُلد مع الموت

والبياتي عندما كان يقص عن نفسه، كان يقول: «لقد سبق لي أن عانيت الموت آلاف المرات، ورأيته بأم عيني، بل إنني ولدت معه، وسافرت معه، وسافرت معه إلى عصور أخرى وأزمنة كثيرة، ولكن الموت صديقي وكان يفتح لي أبواب القفص لكي أنطلق وأخرج لساني للمراهنين على موتي»..

وكان يرى أن الشاعر الحقيقي لن يموت ما دام حياً، وإذا مات فإنه سيولد من جديد من خلال ولادة جديدة له ومن خلال امتداد سلالته، إنه يحيا دائماً أبداً حيا وميتا في قلب محبيه وقرائه وفي كتب المستقبل وذاكرة الإنسان الجديد.

ومن أجل الذاتي والعام يقدم الثائر حياته منتصراً على الموت الذاتي بحياة المناضل المستمرة التي تضيء المشاعل لمن بعده:

وإليك غنيتُ الضحى والليل والغد والربيع

وهتفتُ: يا وطني

لعينيها أجوع

ولعين شعبي العامل، الفلاّح، منتصراً أموت!

يؤمن البياتي بأن التحولات الكبرى هي التي تصنع تاريخ الإنسانية، وأن هذه التحولات تتم عبر لحظات التجدد الثوري إلى ذات أكثر اكتمالاً في الفن والحب معا، وأن الانتقال في الفن والحب من خلال الموت هو الذي منح الإنسانية عشبها ونارها.

هنا يجد البياتي في الحب ضالته بوصفه أحد أهم وسائله في مجابهة الموت، كان يقول: «قد تبدو مشكلة الوجود والحياة، فهمُهما والمحافظة عليهما، وتغيير مضمونهما، هي المشكلة الأساسية للفنان، وهنا تبدو قضية الحب أو مشكلته جزءا من هذه المشكلة، والفنان كما نعلم يعّبر عن جوهر الكل والجزء معاً».

كانت رحلة البياتي تتمثل في البحث عن الحب الأزلي، ذلك الحب الذي لا تكمن عظمته في ديمومته بقدر ما تكمن في موته وبعثه، ولكن الموت والبعث هنا لا يعنيان التعدد، وإنما يعنيان الوحدانية التي تجدد نفسها.

على هذا النحو يمضي الدكتور عبدالناصر حسن في معالجة تجليات الشعرية عند شاعره الأثير عبدالوهاب البياتي، واعداً قارئه بكتاب آخر عن الشاعر يلحقه بهذا الكتاب من أجل استكمال رحلته النقدية والفنية معه.