بقلم - طه خليفة:

جرت الانتخابات التّشريعيّة في هولندا 15 مارس من هذا العام، وأُعلن عن تشكيل الحكومة الجديدة 26 أكتوبر الجاري. ماراثون المُفاوضات السّياسيّة المُرهقة استغرق 225 يوماً حتّى تمّ التّوافق بين الحزب صاحب أكبر عددٍ من المقاعد في البرلمان، وهو حزب «الشّعب للحُريّة والدّيمقراطيّة»، وله 33 مقعداً، وبين ثلاثة أحزاب أخرى، لتشكيل حكومة ائتلافيّة تحظى بتأييد أغلبيّة البرلمان الّذي يتشكّل من 150 مقعداً، والأحزاب الثّلاثة هي «النّداء الديمقراطيّ المسيحيّ» (19 مقعداً) و»الدّيمقراطيّون 66» (19 مقعداً أيضاً) و»الاتحاد المسيحيّ» (5 مقاعد)، ومجموع مقاعد الأحزاب الأربعة تبلغ 76، وهو رقْم على المحكّ، أي أنّ الحكومة تتمتّع بأغلبيّة صوتٍ واحدٍ فقط، وبالتّالي لو انسحب أقلّ أحزابها في عدد المقاعد فإنّها تسقط، ولا يكون أمام رئيسها غير الدّخول في مُفاوضات جديدة مع حزب أو أحزاب أخرى لتشكيل حكومة أخرى، ولو وصل لحائط مسدود، فالحلّ الأخير هو الذّهاب لانتخابات مُبكّرة.

مع حكم النّظام الدّيمقراطيّ فإنّ ما نعتبره في بيئاتنا السّياسيّة الشّموليّة من الغرائب والعجائب لا يكون ذلك هناك، ورغم أنّ مُدّة سبعة أشهر ونصفٍ تُعتبر طويلة جدّاً على تشكيل حكومة، لكن هولندا لم تُصبْ بالشّلل، لم نقرأْ أو نسمعْ عن أي شيءٍ غير طبيعيّ في مُختلف مجالات العمل والحياة فيها، ولم يخرجْ مسؤول أو سياسيّ أو إعلاميّ أو مدّعي وطنيّة ليحذّر من سقوط الدّولة، أو من مُؤامرات خونة وعملاء الدّاخل، والخارج لعرقلة تشكيل الحكومة حتّى تتعطّل المسيرة، لا يحدث هناك مثل هذا الهُراء الّذي يزدهر في بلادنا المُنغلقة سياسيّاً، ولدى بعض العقول الفارغة المُنافقة الشّريرة.

هولندا يوم إجراء الانتخابات، حيث كانت حكومتها تُدير البلاد، هي نفسها هولندا في اليوم التّالي لإعلان النّتائج، وظهور خريطة حزبيّة جديدة صعدتْ فيها أحزاب، وهبطتْ أخرى، وهولندا التي ظلّت 225 يوماً بدون تشكيل حكومة لم تعشْ فراغاً حكوميّاً وسياسيّاً، بل ظلّ تصريف العمل الوزاريّ مُستمرّاً ومُنضبطاً عبر الحكومة القديمة التي ترأسها مارك روته زعيم حزب الشّعب، وهو نفسه الّذي شكّل الجديدة؛ لأنّ حزبه حصد أكبر عددٍ من المقاعد، رغم أنّه مقارنةً بنتائج الانتخابات السّابقة «2012» فقَدَ 8 مقاعد مرّة واحدة.

هولندا - وكلّ بلد في العالم الحُرّ - تسير على السكّة الصّحيحة، ولا تتزحزح عنها، فالحقوق والواجبات معروفة ومطبّقة على أرض الواقع في ظلّ دولة القانون والمؤسّسات، شرايين الحياة تتدفّق فيها الدّماء بالشّكل الطّبيعيّ والمُعتاد حتّى لو مرّ عامٌ أو أكثرُ، وليس سبعة أشهر، من المفاوضات للتّوصل لتشكيلة وزاريّة مُناسبة مُتفاهمة هدفُها الأوّل والأخير خدمة الوطن والمُواطن دون ضجيج أو طنطنة أو ادّعاء الحكمة أو المَنّ الفارغ على الشّعب بأنّ الله قيّض له حاكماً لم تلد النّساء مثلَه ليكون هو الأب الروحيّ!.

أهمّ ما في نتائج انتخابات هولندا لأوروبا والعالم أنّها قطعت الطّريق على تيّار التّطرّف اليمينيّ القوميّ من الفوز بالانتخابات، والصّعود لسُدّة الحكم، فقد أسقطت حلم حزب «الحُريّة» بزعامة المُتطرّف جيرت فيلدرز رغم أنّه صعد للمرتبة الثّانية بـ 20 مقعداً، مُحقّقاً 5 مقاعد إضافيّة عن الانتخابات السّابقة، هذا المُتعصّب استثمر قضايا اللاجئين، والإرهاب والإسلاموفوبيا، ولعب على غريزة الخوف لدى الهولنديّين.

تحجيم هذا التطرّف عن الوصول للحكم كان مهمّاً؛ لأنّه أوقف مسيرة بقية المُتطرّفين في الانتخابات التّالية في أوروبا: فرنسا في الرّئاسة والبرلمان، وألمانيا في البرلمان رغم أنّ المُتطرّفين حقّقوا اختراقاً تاريخيّاً بدخولهم البرلمان لأوّل مرّة منذ سقوط النازيّة، لكنّهم غير مدعوين أو مُرحّب بهم للمُشاركة في الحكومة، وأخيراً انتخابات النمسا «15 الجاري» بفوز حزب الشّعب بقيادة الشّابّ سباستيان كورتس « 31 عاماً» بالأغلبيّة البرلمانيّة، لكن غير المُريح أنّه يتفاوض مع حزب «الحُريّة» المُتطرّف لتشكيل حكومة ائتلافيّة.

مع ذلك فإنّ الدّيمقراطيّة، وحكم القانون والدستور، ودولة المؤسّسات، ووعي الشّعوب، والمُجتمع المدنيّ، والإعلام، كلها عوامل تضمن عدم القلق من صعود التّطرّف القوميّ وأصحاب الشّعارات الوطنيّة الفاشيّة ودُعاة الكراهية والتحريض والتعصُّب والعنصريّة حتّى لو صاروا قوّة في البرلمان، أو كانوا طرفاً في الحكم تحت ضغط ظروف سياسيّة ونتائج انتخابيّة، حيث يبقَون دوماً تحت سيف الرّقابة والمُحاسبة الحاسمة، وأمامنا ترامب وفريقه وما يمثّله من أفكار وتيارات سيّاسية واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة، فاز برئاسة أمريكا، لكن دولة المُؤسّسات الدّيمقراطيّة القويّة تنجح في كبحه عن ارتكاب مُغامرات أو حماقات غير مأمونة العواقب.

التّطرّف السّياسيّ تحت حكم دولة القانون الصّارمة في الغرب، فهل تلك المُعادلة قابلة للنّقاش في الشّرق، ثمّ التّطبيق، لحلّ واحدة من أعقد إشكاليّات الحياة السّياسيّة العدميّة؟، قضية جديرة بالنّظر العميق.

 

كاتب وصحفي مصري

tmyal66@hotmail.com