د. علي محمد فخرو

مهما حاول الإنسان تفُّهم جوانب تعقيدات مشهد العلاقة العربية - الأمريكية المرضية الغامضة، فانه لايستطيع تجنيب نفسه مشاعر المرارة والغضب.

هانحن أمام مشهدين محيّرين متناقضين يعيشان في عالمين نفسيّين متباعدين، لكنّهما متعايشان بقبول ورضا، وعند البعض بحميمية العاشقين.

المشهد الأول الأمريكي يتمثّل في أنظمة حكم لدولة عميقة، تقوم على علاقات انتهازية متبادلة بين المؤسسات العسكرية والمالية والصناعية والإعلامية، تآمرت، بتنسيق مع بعض الأنظمة الرجعية الزبونية العربية، على المشروع العروبي القومي الوحدوي وأجهضته، ثم دعمت، بالمال والسلاح والمواقف السياسية الدولية المساندة، المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين المحتلّة، ثمّ قادت حروباً ومؤامرات لتدمير وتجزئة أقطار عربية مثل العراق وسورية وليبيا واليمن كمقدمة لتجزئة وتدمير أقطار أخرى في المستقبل المنظور، ثم ساهمت بحقارة متناهية في تجنيد وتدريب وتسليح وقيادة ودعم أشكال من المليشيات الهمجية الإرهابية الرافعة زوراً وبهتانا لشعارات إسلامية كاذبة، مطبوخة في مطابخ استخباراتية متآمرة، ونجحت في زرعهم عبر طول وعرض بلاد العرب وعالم المسلمين. وها هي الآن تتوّج كل ذلك بتخلّيها عن أبسط المشاعر الإنسانية التضامنية تجاه فقراء اللاجئين الفلسطينيين المطرودين من أرضهم وتجاه تعليم أطفالهم بواسطة مؤسسة الأونروا.

إنها هنا تمارس، دون حياء، دور الشيطان الذي ساند المجرم الصهيوني في تنفيذ جرائمه طيلة سبعين سنة، ليشارك اليوم المجرم بكل لؤم في لوم واحتقار والتخلّي عن الضحية الفلسطينية.

في مقابل ذلك المشهد الأمريكي العدواني الإمبريالي مشهد عربي لايمكن إلا أن يوصف بأنه مشهد نفسي سادي، لكأنّ العرب يسعدون بالأذى والألم والتحقير الذي تمارسه أمريكا، المرّة تلو المرّة، بحقّ حقوقهم وكرامتهم ومصالحهم. وإلاًّ فهل يعقل أن تمارس الحكومات الأمريكية المتعاقبة كل ماذكرنا دون أن ترى ردّاً عربياً، سواء على المستوى الوطني أو على المستوى القومي الجماعي، يشعرها بأنها تلعب بالنار وبأنها ستدفع ثمناً غالياً لكل ماتقوم به من تلك الموبقات؟

هل يعقل أن يكون ذاك الشلل لايقتصر على الغالبية الساحقة من الحكومات العربية، وإنما يشمل، واحسرتاه، الغالبية الساحقة من الشعوب والمجتمعات المدنية العربية أيضاً؟

لا نطالب بالدخول في حروب عسكرية مع أمريكا، فهذا انتحار. ولكن هل يعقل أن لا نرى سفيراً عربياً واحداً يستدعى من مقرّه في واشنطن، ولا نرى سفيراً أمريكياً واحداً يطلب منه المغادرة؟ هل يعقل أن لا نسمع باجتماع واحد لوزراء الخارجية العرب أو لرؤساء الدول العربية لاتخاذ موقف سياسي أو اقتصادي واحد، عدا اجتماعات الشجب الباهت الذليل أو التعبير المضحك عن القلق والأمل في إعادة النظر؟

ولم تكن مواقف الشعوب ولا المجتمعات المدنية بأفضل من ذلك.هنا بيان متواضع من حزب وهناك مناقشة تحليلية نظرية على هذه المحطة التلفزيونية أو تلك. تغيب بصورة مفجعة المظاهرات الاحتجاجية المطالبة بقطع العلاقات مع أمريكا، ويغيب شعار المقاطعة للبضائع والخدمات الأمريكية حتى في أبسط صورها. لكأن الشعوب العربية قد قررت التخلّي عن ممارسة السياسة حتى في أبسط أشكالها.

هنا لا نملك إلاً أن نسترجع قولاً كوميدياً ساخراً نشرته جريدة الجارديان البريطانية للمخرج الأمريكي ستانلي كوبرك: «تتصّرف الدول الكبيرة كما يتصرّف أفراد العصابات الإجرامية، أما الدول الصغيرة فتتصرّف كالبغايا». إنه تقابل الحقارة المجرمة بالابتذال المذلّ الرخيص في مشهد جنائزي لموت فضيلة احترام الذّات والكرامة الإنسانية.

دعنا من الردّ العربي الرسمي المشترك، فالخلافات بين الحكومات العربية حول تلك الأدوار الأمريكية في طول وعرض الوطن العربي أصبحت فضيحة من فضائح النظام الإقليمي العربي الحالي. لكن ألا تستطيع مجموعة مدنية شعبية عربية، وبالذات شبابية، أن تدشّن «هاشتاق» على شبكات التواصل الاجتماعية العربية ليوقّعه الملايين من العرب والمسلمين في كل أنحاء الدنيا، يتعهًّدون بموجبه أن يقاطعوا كل منتج أمريكي، لباساً وطعاماً وسيارات وأدوات إلكترونية وبنوكاً وخدمات سياحية على سبيل المثال لا الحصر، وذلك كردّ فعل رمزي يشعر الإدارة الأمريكية المجنونة الحالية بأن هناك خطوطاً سياسية قومية حمراء في حياة الإنسان العربي؟

ألن تدفع تلك الخطوة المتواضعة المؤسسات والشركات الأمريكية المتضررة لتضع ضغوطاً على الإدارة الأمريكية لمراجعة سياساتها وممارساتها القمعية والابتزازية تجاه كل قضايا العرب، بل وبالذات مراجعة هذا الاندماج الكامل العضوي في المشروع الصهيوني الإمبريالي المتعاظم؟

لقد مرّت على أمة العرب حقب استعمارية متعدّدة، لكنها كانت دوماً تواجه بشتّى أنواع المقاومة والمقاطعة الممتدة من الخطوات الرمزية إلى الحروب التحريرية بتضحياتها الهائلة.

فما الذي أوصل هذه الأمة إلى أن تقبل نخبها السياسية وملايين شعوبها وكل مؤسسات مجتمعاتها هذا الوضع الوجودي الذليل المشلول الذي نراه من أمامنا؟

الإجابة التشخيصية معروفة، بل وتعبنا من معرفتها وتكرارها. لكن السؤال الحقيقي هو «أين الفعل؟»

على شباب العرب أن يردّدوا ويعوا قولاً معبّراً للعالم الرياضي البولندي جاكوب برونوسكي: «العالم لايمكن فهمه وقيادته إلاّ بالفعل.. وذلك أن الحدّ القاطع من العقل هو الفعل».

كاتب ومفكر بحريني