بقلم - عبدالله أبوعلامة عديد البشاقرة:

المغرب العربي ملتقى عالمين كان ذلك قديماً وما يزال حتى الآن، قديماً كان ملتقى المشرق الإسلامي - بغداد - والمغرب الإسلامي - الأندلس -.فكان مزيجاً فكرياً ذا مذاق خاص تبلور في العلّامة عبدالرحمن بن خلدون صاحب المقدّمة التي تتجدّد كلما تراكمت فوقها السنوات، وحديثاً هو ملتقى عالمي الإسلام والغرب والذي تبلور في العلّامة مالك بن نبي صاحب السلسلة الذهبية (مشكلات الحضارة).

طرأت هذه الأفكار في ذهني كومضة البرق وأنا أشاهد على شاشة إحدى الفضائيات مؤخراً لقاء مع سيدة تونسية غير محجّبة ومع ذلك تنتسب إلى حركة النهضة التونسية! رشّحت في قوائم النهضة التونسية لتنال رئاسة بلدية تونس العصمة فيعترض حزب نداء تونس بحجة أن التقاليد التونسية لا تسمح بتولي امرأة منصب (شيخة العاصمة).

اليسار التونسي يتهم السيدة سعاد بالانتهازية لجمعها بين العلمانية والانتماء لحركة النهضة (الإسلامية)، إحدى السيدات (المتحرّرات) تقول بالصوت العالي إنها لن تصوّت لسعاد عبدالرحيم!، ولأن عالمي الإسلام والغرب - أو الخلدونية والديكارتية - يبرزان كأنضر ما يكون وأبهاه في الصيدلانية السيدة سعاد عبد الرحيم شدني حوارها الإسفيري ذاك.

يسألها المذيع الذرب: «كيف تنتمين إلى حزب حركة النهضة بينما أنت سافرة غير محجبة ؟» وتجيب السيدة المهذبة في هدوء ودون أن يطرف لها جفن: «أنا أنتمي إلى حركة النهضة سياسياً وليس عقائدياً... وقد دخلت في تيار النهضة بهذا الفهم من جانبي والتفهم من جانبهم»، ويسألها المذيع: اعترض حزب نداء تونس على ترشحك لمنصب رئيس بلدية تونس لأن التقاليد التونسية لا تسمح بذلك؟، فردّت في هدوء وركانة: «إن الذين أعطوني أعلى نسبة من الأصوات هم التونسيون في العاصمة ولو كان صحيحاً أن التقاليد التونسية لا تسمح بذلك لما منحوني أصواتهم الغالية «.

ويسألها المذيع: أهل اليسار التونسي يتهمونك بالانتهازية لأنك تتزينين بالزي العلماني وتتسترين بزي حركة النهضة فماذا تقولين؟. فترد بذات الهدوء الركين والابتسامة لا تفارق شفتيها: «أنا لا أحتاج إلى الزي العلماني لأتجمّل به كما أنني لا افتقر ثوب حركة النهضة لأتستر به»، ويسألها المذيع: السيدة فلانة - من التحرّرات - قالت لو هيئ لها التصويت في بلدية تونس العاصمة فلن تصوّت لك، فما رأيك في ذلك؟، وردت والابتسامة لا تفارق شفتيها «هذا رأيها وأنا احترم هذا الرأي فهي حرة فيما تقول وفيما تفعل فنحن في دولة ديموقراطية».

هذه السيدة الصيدلانية السافرة.. العلمانية النهضوية.. المتسامحة واسعة الصدر.. أزهى صورة للإنسان التونسي الذي خرج من رحم عالمي العقل الخلدوني والعقل الديكارتي.. وهو بهذه الصفة مؤهلة لتمثل الديموقراطية أحسن تمثل وتطبيقها أصح تطبيق.. ولذلك يمكنني أن أقول بالفم المليان «إن الديموقراطية التونسية قد تتعثر وقد تترنح ولكنها لن تسقط أبداً».

 - السودان