بقلم : طـــه خـلـيفـة - كاتب وصحفي مصري ..
الديمقراطية هي سحر الحياة السياسية، في وجودها تجد السياسة فعالة ومنتعشة ومزدهرة وخلاقة وحيوية، وفي غيابها لا تجد سياسة من الأصل، إنما جمود وتصحر وتخلف مقيم.

وهذا المقال يرصد لمحة من الديمقراطية الخلاقة في بلدان ناشئة في هذا النظام السياسي، وهذا مطمئن في أنها تسير على طريق صحيح حتى لو كانت الممارسة تشوبها أخطاء تؤخر النضج الكامل للتجربة.

في العام الحالي 2018، وجدنا سجيناً يترشح للرئاسة في تركيا، وورد اسمه ضمن 6 مرشحين على ورقة الاقتراع في 24 يونيو الماضي، هو السياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي، أتاحت له الديمقراطية الترشح ولم يتم إعاقته تحت أي مبرر، أن يترشح أفضل كثيراً من منعه طالما لا توجد قيود قانونية، وإلا كان استثمر المنع في الطعن بنزاهة العملية الانتخابية برمتها، وهو متهم في قضايا «إرهاب» تتعلق بدعم حزب العمال الكردستاني «الإرهابي»، لكن لم يصدر بشأنه حكم بعد، ومن داخل سجنه قاد حزبه وحرّك حملته الانتخابية وتواصل مع الجمهور عبر منحه وقتاً في التلفزيون التركي الرسمي، وعبر الاتصال بهاتف زوجته أسبوعياً حيث كان يُحوّل المكالمة إلى ندوة انتخابية، تسجلها ثم تبثها على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان يغرد على تويتر عبر محاميه عندما يلتقيه، يُدوّن له الفكرة ويقوم المحامي بالنشر، أساليب مبتكرة في الدعاية والتواصل مع الجمهور، هذا كله من إبداع ومرونة منظومة الحقوق التي توفرها الديمقراطية، حيث لا سقف لها في تمتع الناس جميعاً بحقوقهم الطبيعية المشروعة، ولو كان دميرطاش في سجون نظام مستبد فربما كانت محاولته للترشح سُجلت تهمة أخرى ضده.

لكن ماذا سيكون الوضع لو كانت حصلت معجزة سياسية وفاز المرشح التركي، فرغم أن هذا الأمر كان مستبعداً، لكن طرح السؤال كان واجباً، وقد صار أوجب في البرازيل البلد الثاني الذي يترشح فيه سجين، إذ ماذا لو فاز الرئيس السابق والسجين الحالي إيناسيو لولا دا سيلفا «73 عاماً» مرشح حزب العمال بالرئاسة، وهو مدان ويقضي عقوبته، واستطلاعات الرأي العام ترجح فوزه؟، إنها ستكون حالة غير مسبوقة في التجارب السياسية في الديمقراطيات الحديثة إذا أقر القضاء ترشحه نهائياً، المحكمة الانتخابية العليا قررت أمس منعه من الترشح، لكن محاميه أعلنوا أنهم سيستأنفون الحكم، ويدعمهم في ذلك قرار للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة قضى بالسماح له بالترشح وهو في السجن.

لولا، قصة نجاح في بلد كبير عانى كثيراً مثل بقية بلدان أمريكا اللاتينية من الانقلابات والحكم القمعي والفقر والفساد وتردي الخدمات، هذا اليساري العتيد فاز بالرئاسة بعد كفاح سياسي طويل لدورتين «2003-2011»، ورفض تعديل الدستور ليُتاح له الترشح مجدداً، وشعبيته كانت تضمن موافقة أغلبية الشعب.

سيلفا انتشل الملايين في البرازيل من وهدة الفقر، وسعى لوضع حد لمبدأ كان سارياً في هذا البلد لعقود وهو «توريث الفقر»، ونجح في تجربته التنموية وفتح أبواباً جديدة من الأمل والحياة للملايين، وارتقى بالبرازيل وجعلها نموذجاً في التنمية الوطنية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

قصة حياة سيلفا تثير الإعجاب، مثل قصص حياة الساسة الناجحين في بلدانهم، والسر في ذلك أنهم خرجوا من وسط الناس، وكان إما الفقر يطحنهم مثل سيلفا أو في حالة معيشية أقل من متوسطة مثل أردوغان في تركيا، وهؤلاء القادة وغيرهم هم الأكثر فهماً لأوضاع بلادهم وحاجات شعوبهم، لذلك تكون سياساتهم موجهة لخدمة مواطنيهم.

أكثر القادة نجاحاً هم من يَصِلون للحكم عبر الديمقراطية الحرة العادلة، ويمارسون العمل العام السياسي والنقابي والمدني وسط شعوبهم، هم الأصدق تعبيراً عن مواطنيهم والأكثر فهماً لما تريده بلدانهم من برامج للنمو والبناء.

وأكثر نماذج القادة فشلاً هم مَن يأتون للحكم مِن خارج صندوق الانتخاب، أو عبر صندوق مزيف، أو بالتغيير القسري، لا تجربة واحدة حققت نتائج مبشرة، حيث لا علاقة لهم بالعمل العام والسياسة، ولا احتكاك بينهم وبين الجماهير.

رغم أن سيلفا يقبع في السجن بتهم رشوة واستغلال نفوذ بحصوله على شقة، وهو يؤكد براءته، لكن هذه التهم لا تجد صدى لدى أنصاره وكل الذين استفادوا من عهده من ملايين الفقراء والمحرومين لهذا يصطفون وراءه وسيصوتون له حتى لو كان سجيناً.

ماذا لو فاز لولا دا سيلفا؟، لا أدري ماذا يقول القانون البرازيلي في هذه المعضلة؟، لكن أتصور أن الزنزانة لابد أن تُفتح له للخروج منها إلى الحرية الكاملة وحكم البرازيل.

إذ عندما يقول الشعب كلمته فإنها تكون تشريعاً يسمو فوق أي تشريع آخر حتى لو كان الدستور نفسه، لأن الشعب مصدر السلطات والدساتير والقوانين وخاصةً في الديمقراطيات التي تجعل البلدان متحركة بلا جمود على العكس من بلدان حكم الفرد التي تكون نية الترشح فيها جريمة تقود إلى السجن.

tmyal66@hotmail.com