المخيمات بؤر من المعاناة كالإمراض ومعارك الطعام والخوف

ترجمة - كريم المالكي:

عرضة لإطلاق النار والضرب والتجويع وقائمة معاناة طويلة جداً، هذا هو حال الأطفال اللاجئين الذين يتمّ إيقافهم لأي سبب وهم في طريقهم للوصول إلى أوروبا. وعمران طفل في سنّ الـ 11 فقط، عاش حياة فيها الكثير من الأهوال لا يمكن لشخص بالغ أن يتحمّلها، غير أنّ فيلماً وثائقيّاً جديداً اسمه، "طفل الحرب"، تبثّه القناة البريطانيّة الرّابعة يسلّط الضّوء على طبيعة الحياة التي يعيشها هذا الطّفل اللاجئ وغيره من الأطفال الذين تقطّعت بهم السُّبل وأصبحوا يعيشون واقعاً مريراً دون أسرهم.

عمران الأفغانيّ وروان السّوريّة، قصص وحكايات إنسانيّة عن أطفال اضطرتهم الحرب إلى ترك بلادهم لعلّهم يحصلون على حياة آمنة في أوروبا. لقد اقتفت أثرهم صحفيّة من الجارديان البريطانيّة عبر هذا الفيلم الوثائقيّ المُثير والصّادم الذي يبدأ بلقطة عن طبيعة المكان الذي يعيشن فيه عمران، وهو مُخيّم غير رسميّ للاجئين على الحدود المقدونيّة.

حينما سألت الصحفيّة عمران لماذا تركت الوطن؟ جاءتها إجابته الواضحة جدّاً، كانت طالبان تقتل الأطفال أثناء سيرهم إلى المدرسة، لذلك كان عليّ أنْ أغادر.

الصحافة الإنسانيّة

كان على الصحفيّة التي تقابله أن تقتفي أثره وأن تمرّ زحفاً عبر الأسلاك الشّائكة التي تتزاحم عند سفح سور فضيّ لامع كما يفعل عمران. وأضاف عمران: قبل عامين أرسل والداي أخي الأكبر إلى ألمانيا، حيث الأمان، لم يكن لدينا ما يكفي من المال لذهابنا جميعاً. والآن أنا في الحادية عشرة، وقد حان دوري للوصول إلى هناك.

وتضيف الصحفيّة المُرافقة: لقد استكشفت الحدود اليونانيّة - المقدونيّة مع الطّفل عمران، وهو صبيّ أفغانيّ له شخصيّة قويّة وذكيّ، وكنت خلال ذلك أقوم بتصويره في فيلم وثائقيّ للقناة البريطانيّة الرّابعة، بعنوان "طفل الحرب". وكان عمران قد ترك والديه قبل ثلاثة أشهر، في كابول وشقّ طريقه نحو أوروبا الغربيّة ليلتقي بأخيه الذي سبقه إلى هناك.

من الموت إلى الموت

وتعرّض عمران إلى مواقف خطيرة وكارثيّة، حيث كان على وشك الغرق تقريباً عندما تعطّل محرِّك الزّورق الصّغير الذي كان يعبر به من تركيا إلى اليونان. وبمُعجزة، شاهده قارب صيد وأرشد خفر السّواحل إليه. ويقول عمران: كان أمراً مُخيفاً جدّاً، فأنا لا أستطيع السّباحة. أما الآن فأنا عالق هنا على الحدود اليونانيّة، لكن عليّ الاستمرار بالمضيّ إلى الأمام.

عمران بعقل يفوق سنوات عمره الحقيقيّة، فهو ذكيّ جداً يتحدّث الإنجليزيّة بطريقة تقترب من الجودة. ويسافر مع عائلة كبيرة لا يعرفها، ويجب أن يتحلّى بأفضل سلوك، ويتمنّى عزل نفسه عن البقية. وحتّى الآن، قطع هذا الصبي البالغ من العمر 11 عاماً 5500 كيلومتر دون والديه.

وعودة إلى الحدود، يشير عِمران من خلال السور إلى مجموعة من حرّاس دورية، تتشمّس على بعد خُطوات من دبابة. ويقول: أعرف هؤلاء الجنود، في كلّ ليلة عندما كنا نحاول عبور هذه الحدود يُمسكون بنا ويُعيدوننا، لقد ضربوا صديقي بالهراوات، وظنّوا أنّه أحد المُهربين.

أيدوميني

ويقيم عِمران حالياً في خيمة قبة عند مخيم "أيدوميني" على خطوط السكك الحديديّة، هو مُخيّم غير رسميّ للاجئين على الحدود اليونانيّة - المقدونيّة، والشّرطة هناك على استعداد لصدّ المُهاجرين في حال قرّروا المُضيّ قُدماً.

وفي هذا المكان ينتشر كمٌّ من المعاناة، كالإسهال وأماكن الصرف الصحيّ البائسة والمعارك التي تندلع عند التجمّع للحصول على الطّعام بسبب النّقص واليأس والتّعب.

وكلَّ ليلة، عندما يتلاشى ضوء النّهار، يُؤخذ عمال الجمعيات الخيريّة والصّحافة إلى دور الضّيافة المُقيمين بها. وهذا هو الوقت الذي يبدأ فيه المُهرّبون أعمالهم وتدبّ الحياة في المُخيّم، ويحزم النّاس أمتعتهم على ظهورهم، ويستعدّون لعبور سرّيّ جديد للحدود.

وعلى بُعد مائة متر على طول مسار السّكة الحديد، مبنى محطّة مهجورة، يوجد فيه بار مُؤقّت لبيع الوجبات الخفيفة والسّجائر والجعة. وفي الداخل، 20 مُهرباً قد ثملوا من الشّرب، يمزحون مع النّادل لكن الجو يتغيّر بسرعة، وتندلع مُشاجرة قويّة. ويسحب أحد المُهاجمين سكيناً بطول ثماني بوصات، كان في حالة سكر لكنّه قويّ جداً، ويُكافح ترنّحه، كلَّ ليلة هناك مثل هذه المعارك.

إجرام المُهرّبين

عمران يقف على استحياء في باب البار، إنه يأتي إلى شراء البسكويت بما تبقّى لديه من مال، ليخزّنه لليلة التي يعبر فيها الحدود. ويقول عمران الذي حاول 14 مرّة عبور هذه الحدود: لا أحد يثق بالمُهرّبين ولكنّنا يجب أنْ نذهب معهم، بعضهم جيّد، ولكنْ البعض الآخر خطير للغاية.

ويتجلّى هذا الخطر بقسوة في قصّة فتاة لاجئة أخرى اسمها، روان، تبلغ من العمر 12 عاماً من حلب في سوريا. لقد اتّفق والد روان مع المُهرّبين الذين وعدوه بأخذ أسرته إلى صربيا مُقابل 800 جنيه إسترلينيّ، وساروا عدّة أيّام حتّى وصلوا إلى مُجمّع يقع في تلال شمال مقدونيا. ثمّ هدّد المُهرّبون بإطلاق النّار على طفل يوميّاً ما لم تؤمّن الأسرة مالاً إضافيّاً.

وبالكاد كانوا يحصلون على طعام لعدّة أياّم، وأخيراً تمكّن والد روان من الاتّصال بشقيقه في تركيا، حيث أمّن المبلغ المطلوب لخاطفيهم. وفي النّهاية وصلت روان وعائلتها إلى بلجراد، وكانت مُحطّمة وواهنة وخائفة، وقال والد روان الذي كان أشبه بالمصعوق: هربنا من داعش، ولكنْ هؤلاء المُهرّبون لا يختلفون عنهم، ولم نعتقد أنّنا سنلتقي يوماً مثل هؤلاء النّاس في أوروبا.

أوروبا المعاصرة أو المدينة الفاسدة

وتجنّب عمران بصعوبة مُلاقاة مصير مُماثل، فبدلاً من الهرب في الغابات الكثيفة المقدونيّة اختبأ من المُهرّبين والشّرطة لثلاثة أيّام. وكان يشرب خلالها مياه النّهر ويأكل التوت البرّيّ للبقاء على قيد الحياة. وفي النّهاية اتّفق مع مُهرّب آخر أوصله بالسّيارة إلى بلجراد.

وليس بعيداً من هذه الأعمال الدراميّة المُؤلمة، يستأجر عددٌ من سيّاح الطّبقة المُتوسّطة منازل ريفيّة لقضاء عطلاتهم، فيما تقدّم المطاعم المأكولات المحليّة الشهيّة للزّبائن الأثرياء، إنّها تذكرة قويّة بأنّ هذه هي أوروبا المُعاصرة، وليس شيئاً من المدينة الفاسدة.

بالنسبة لهؤلاء الأطفال، هذا مجرد جزء واحد من رحلاتهم الملحميّة، ففي حالة عمران، فإن الرّحلة ستكون لمسافة 7 آلاف كيلومتر. وحينما يتحدث إلى والده في المرّات التي يستطيع فيها شحن هاتفه، تأتيه الكلمات التي يشجّعه بها والده خلال المُكالمة، أنت فخر وصبيّ جيّد. ويتوق والد عمران لكي يلتقي ابنه الصغير بأخيه في ألمانيا. ويعترف عمران بأن والديه لو كانا يعرفان بأن الحدود ستغلق، فلن يرسلاه أبداً.

وحيدون دون أسرهم

هناك آلاف الأطفال من غير المصحوبين بذويهم تقطّعت بهم السُّبل في أوروبا ويعيشون دون أسرهم. والمُثير للصّدمة، أنّه يُعتقد بأنّ أكثر من 10 آلاف طفل فقدوا على مدى العامين الماضيين. ومن دون طرق آمنة وقانونيّة، تقول صحفيّة الجارديان التي اقتفت أثرهم، رأيت مدى ضعف هؤلاء الأطفال أمام الاستغلال الجنسيّ والجنائيّ.

عندما تغلق الحدود، فهذا هو وقت الازدهار للمُهرّبين والعصابات والمُجرمين. في كلّ خُطوة يخطوها الأطفال الضّعفاء البريئون الذين لا حول لهم أو قوّة على هذا الطريق، يكونون في خطر.

وتختتم صحفيّة الجارديان موضوعها بالقول: في أوروبا، نحن نعيش حالياً في ثاني أغنى اقتصاد في العالم. وبالتأكيد هناك مساحة داخل مُجتمعنا لهؤلاء، من أمثال عمران، الذين هم في أشدّ الحاجة إلى الحياة.

عن صحيفة الجارديان البريطانيّة