بيروت - منى حسن:

نازحات سوريات في لبنان لم يستسلمن للأمر الواقع الصعب الذي يواجهنه في مصاعب الحياة وتدبير القوت اليومي، بعضهن يبذلن الجهود ويحاولن استغلال المهارات التي لديهن لتأمين لقمة العيش لأسرهن، ويشكّلن فئة لا يُستهان بعددها وتستحق الالتفاتة.

وتتحدث النازحة السورية محاسن عن الأوضاع المعيشية الضاغطة وصعوبة تأمين الحدّ الأدنى من الدخل لتوفير الأساسيات فقط لعائلتها، التي تقيم في شقة صغيرة وقديمة مستأجرة. وقد وجدت في الخياطة باب أمل يساعدها على الاستمرار أقلّه لتنجلي الأوضاع ويتبيّن مصير بلدها وإمكان العودة إليه.

محاسن أم لأربعة أولاد وتعاني من فقدان الزوج والأهل في الحرب السورية وحصلت على ماكينة خياطة من هيئة خيرية تعمل على دعم النازحين ودفعهم نحو الأعمال الصغيرة بهدف تأمين مدخول ولو محدود لهم.

وهي لديها خبرة في هذا المجال، بدأت أولاً بإصلاح الثياب القديمة وتقصير الجديدة منها بأسعار مخفّضة لا تتعدى الدولارين للقطعة، وبعدها انتقلت إلى خياطة قطع أساسية مثل السراويل والعبايات البسيطة والفساتين التي تبيعها بسعر متدنٍّ أيضاً بهدف زيادة الزبائن الذين يكونون مسؤولين عن تأمين الأقمشة. واليوم تجني محاسن من خلال عملها مبلغاً يتراوح بين 20 و30 دولاراً يكفي لسدّ الحاجات الأساسية.

ومثل محاسن هناك عشرات النازحات اللواتي إمّا كنّ يتقنّ الخياطة قبل مجيئهن إلى لبنان، أو تعلّمن هذه المهارة في أحد المراكز المخصّصة للنازحات، مثل مشغل «الأم للخياطة» في صيدا، وقد جهّز ليستوعب تدريب 26 فتاة وتوفير فرص عمل لـ 40 امرأة من اللبنانيات والفلسطينيات والنازحات السوريات.

تحضير «المونة»

وإضافة إلى الخياطة، تنشط نازحات كثيرات في مجالات أخرى تساعدهن على تأمين مدخول يمكّنهن من إعالة أسرهن، خصوصاً في ظلّ غياب عدد من الأزواج بسبب الحرب أو السفر.

فاتن معروفة باحترافها تحضير «المونة» على الطريقة السورية، خصوصاً المكدوس وتبيعه سواء للنازحين الآخرين أو اللبنانيين الذين بات عدد منهم يقصد منزلها للحصول على مرطبان أو أكثر.

ويشكّل الرأسمال في أحيان كثيرة حجر عثرة أمام فاتن، بجانب حركة البيع الخفيفة ومصاعب تأمين المال اللازم لشراء الباذنجان والجوز وزيت الزيتون وغيرها من المكوّنات الخاصة بالمكدوس، إلا أنّه مهما كانت الصعوبات فإنها تسعى لتخطيها، فالاعتماد على المدخول من هذا العمل الحرفي الذي تجده النازحة السورية بارقة أمل.

أمّا الأشغال اليدوية فلها حصّة كبيرة من عمل النازحات في لبنان، خصوصاً أنّ منظمات أهلية عدة تأخذ على عاتقها تنظيم المعارض ذات الطابع البسيط، ولكن الكفيلة بإظهار مهارات العاملات وما يمكن أن يقدّمنه من حرفيات مميزة، إضافة إلى تأمين المواد الأولية.

وفي هذا السياق، تشير الناشطة المدنية ساره يونس، إلى أنّ تعزيز الأعمال الصغيرة عند النازحين يُعتبر من أكثر الاستراتيجيات الناجحة لتأمين مداخيل دورية لهم.

صناعة «الأغباني»

«الأغباني» عبارة عن نسيج مطرز تقليدي سوري مزين بزخرفات أنيقة مستوحاة من نباتات الشرق الأوسط، وأبدع الحرفيون السوريون هذه الحرف اليدوية طوال قرون متبعين أساليب قديمة، وهي تُستخدم لصناعة مفارش المائدة والملابس والوسائد وغيرها من العناصر الزخرفية، وقبل اندلاع الصراع كانت هذه المنتجات الجميلة تُستورد من سوريا وتباع في متاجر لبنان.

وبفضل تمويل الاتحاد الأوروبي، بدأت المفوضية عام 2014 ورشة عمل حول تقنية «الأغباني» للتطريز للنساء السوريات واللبنانيات، وإلى جانب تعلّم مهارات جديدة، يقدم البرنامج أيضاً للمشاركات فرصة للتعارف والتفاعل مما يعزز التماسك الاجتماعي بين المجتمعين.

ومع نهاية عام 2015، استفادت 50 لبنانية وسورية من التدريب الذي قدمته المفوضية بالشراكة مع جمعية «المجموعة» غير الحكومية اللبنانية ومؤسسة (حرفيو لبنان) الخاصة غير الربحية. النازحة صابرين قالت إنها استفادت من التدريب الذي قدمته المفوضية الأوروبية حول تقنية «الأغباني» للتطريز، وأشارت إلى أن أوضاعها المادية تحسنت كثيراً بعد البدء في العمل على التطريز.

أما دولي فقالت إن هناك نازحات يرغبن في العمل اليدوي من أجل المساعدة في إعانة العائلة وتأمين قوتها اليومي وأنا كنت من بين الذين تدربوا على مهنة التطريز وهذا الأمر ساعدني كثيراً في تحصيل مالي وفير لي وللعائلة وأنا بدوري لا أرغب لا بالإعاشة أو التسوّل بل أحب الاعتماد على نفسي من أجل تأمين قوت يومي. أما عائشة التي تعمل في مجال التطريز فقالت: إن مشروع الاتحاد الأوروبي كان له الفضل الكبير في إعانة عائلتي، وأكثرية زبائني من لبنان ويشجعونني على هذه المهنة.